البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٨٤ - طرف شتّى
فلما رأيت مذهبه و حمقه، و غلبة البخل عليه، و قهره له، قلت: ما لهم عندي علاج هو أنجع فيهم من أن يمنعوا الصبّاغ كله. قال: لا و اللّه إن هو غيره! و صديق لنا آخر، كنا قد ابتلينا بمؤاكلته، و قد كان ظنّ أنّا قد عرفناه بالبخل على الطعام، و هجس ذلك في نفسه، و توهّم أنّا قد تذاكرنا أمره.
فكان يتزيّد في تكثير الطعام، و في إظهار الحرص على أن يؤكل، حتى قال: من رفع يده، قبل القوم، غرّمناه دينارا فيرى بعضهم أن غرم دينار أولى، فذلك منه محتمل في رضى نفسه، و ما يرجو من نفع ذلك له.
و لقد خبّرني خبّاز لبعض أصحابنا أنه جلده على إنضاج الخبز، و أنه قال له: انضج خبزي الذي يوضع بين يديّ، و اجعل خبز من يأكل معي على مقدار بين المقدارين. و أما خبز العيال و الضيف، فلا تقرّبنّه من النار إلا بقدر ما يصير العجين رغيفا، و بقدر ما يتماسك فقط. فكلّفه العويص [١] ، فلما أعجزه ذلك، جلده حدّ الزاني الحرّ.
فحدثت بهذا الحديث عبد اللّه العروضي [٢] ، فقال: أ لم تعرف شأن الجدي؟ضرب الشّواء ثمانين سوطا، لمكان الإنضاج. و ذلك أنه قال له:
ضع الجدي في التنور، حين نضع الخوان، حتى أستبطئك أنا في إنضاجه، و تقول أنت: بقي قليل. ثم تجيئنا به، و كأني قد أعجلتك.
فما ذا وضع بين أيديهم غير منضج، احتسبت عليهم بإحضار الجدي.
فإذا لم يأكلوه، أعدته الى التنور، ثم أحضرتناه، الغد، باردا، فيقوم الجدي الواحد مقام جديين. فجاء به الشوّاء يوما نضيجا، فعمل فيه القوم. فجلده ثمانين جلدة، جلد القاذف الحرّة.
حدثني أحمد بن المثنى، عن صديق لي و له، ضخم البدن، كثير
[١] العويص: الشدة. و هنا يشير الى الخبز الغليظ.
[٢] احد أصدقاء الجاحظ.