البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٧٨ - خالد بن يزيد
في البدو، و أسقط الدفّ المربّع من بين الدفاف، و ما كان النقاب إلا هدّاما، حتى نشأت، و ما كان الاستقفاء إلا استلابا [١] حتى بلغت.
و أنت غلام، لسانك فوق عقلك، و ذكاؤك فوق حزمك، لم تعجمك الضرّاء، و لم تزل في السرّاء و المال واسع، و ذرعك ضيّق. و ليس شيء أخوف عليك عندي من حسن الظن بالناس، فأتهم شمالك على يمينك، و سمعك على بصرك، و خف عباد اللّه على حسب ما ترجو اللّه.
فأول ما أوقع في روعي أن ما لي محفوظ عليّ، و أن النماء لازم لي، و أن اللّه سيحفظ عقبي من بعدي، أني لما غلبتني يوما شهوتي، و أخرجت يوما درهما لقضاء و طري [٢] ، و وقعت عيني على سكّته، و على اسم اللّه المكتوب عليه، قلت في نفسي: إني إذا لمن الخاسرين الضالّين، لئن أنا خرجت من يدي، و من بيتي شيئا عليه: «لا إله إلا اللّه» و أخذت بدله شيئا ليس عليه شيء. و اللّه إن المؤمن لينزع خاتمه للأمر يريده، و عليه، «حسبي اللّه» أو: «توكلت على اللّه» فيظن أنه قد خرج من كنف اللّه، جلّ ذكره، حتى يردّ الخاتم في موضعه. و إنما هو خاتم واحد، و أنا أريد أن أخرج في كل يوم درهما عليه الإسلام كما هو؟إن هذا لعظيم» .
و مات من ساعته، و كفّنه ابنه ببعض خلقانه، و غسله بماء البئر.
و دفنه من غير أن يضرح له، أو يلحد له [٣] ، و رجع.
فلما صار في المنزل نظر الى جرّة خضراء معلقة. قال: أيّ شيء في هذه الجرّة؟قالوا: ليس اليوم فيها شيء. قال: فأيّ شيء كان فيها قبل
[١] أي انه كان يضرب الرجل خلسة من قفاه.
[٢] لقضاء و طري: لبلوغ حاجتي.
[٣] من غير أن يضرح له أو يلحد: الضريح: الشق في وسط القبر: و اللحد: شق الى جانبه. اي انه لم يكترث له.