البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٧٦ - خالد بن يزيد
مالك وديعة عند غيرك، و صار غيرك الحافظ عليك. و إنك يوم تطمع أن تضيع مالك، و يحفظه غيرك، لجشع الطمع، مخذول الأمل. احتال الآباء في حبس الأموال على أولادهم بالوقف، فاحتالت القضاة على أولادهم بالاستبحاث [١] ما أسرعهم الى إطلاق الحجر، و إلى إيناس الرّشد، إذا أرادوا الشراء منهم. و أبطأهم عنهم، إذا أرادوا أن تكون أموالهم جائزة لصنائعهم.
يا ابن الخبيثة، إنك و إن كنت فوق أبناء هذا الزمان، فإن الكفاية قد مسختك، و معرفتك بكثرة ما أخلف قد أفسدتك؛ و زاد في ذلك أن كنت بكرى، و عجزة أمّك [٢] .
أنا لو ذهب مالي لجلست قاصّا، أو طفت في الآفاق، كما كنت، مكدّيا. اللحية وافرة بيضاء، و الحلق جهيز طل، و السمت [٣] حسن، و القبول عليّ واقع. إن سألت عيني الدمع أجابت، و القليل من رحمة الناس خير من المال الكثير، و صرت محتالا بالنهار، و استعملت صناعة الليل. أو خرجت قاطع طريق، أو صرت للقوم عينا و لهم مجهرا [٤] . سل عني صعاليك الجبل [٥] و زواقيل [٦] الشام و زطّ الآجام [٧] ، و رءوس الأكراد، و مردة الأعراب، و فتّاك نهر بطّ [٨] ، و لصوص القفص [٩] ، و سل
[١] الاستبحاث: البحث.
[٢] عجزة امك: أي آخر اولادها.
[٣] السّمت: الهيئة، الوقار. و سمت الرأس في علم الفلك: نقطة من الفلك تقع فوق الرأس عموديا.
[٤] عنيا و مجهرا: أي صرت رقيبا أو جاسوسا لهم.
[٥] صعاليك الجبل: قطاع الطرق.
[٦] زواقيل: لصوص.
[٧] زط الآجام: جماعة من السودان و الهنود كانوا يعيشون فسادا في المرتفعات و سواها.
[٨] نهر بط: نهر بالأهواز.
[٩] ورد في اللسان: القفص جيل من الناس متلصصون في نواحي كرمان.