البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٦٥ - جبل و أبو مازن
فناء حائط له ظل شديد السواد، بارد ناعم، و ذلك لثخن الساتر، و الكتناز الأجزاء، و لبعد مسقط الشمس من أصل حائطه. فطال بنا الحديث، و جرينا في ضروب من الكلام. فما شعرنا إلا و النهار قد انتصف، و نحن في يوم قائظ [١] . فلما أردنا الرجوع، و وجدت مس الشمس و وقعها على الرأس، أيقنت بالبرسام [٢] . فقلت لأبي إسحاق (و الوليد إلى جنبي يسمع كلامي) : «الباطنة [٣] منا بعيدة، و هذا يوم منكر، و نحن في ساعة تذيب كل شيء؛ و الرأي أن نميل الى منزل الوليد فنقيل [٤] فيه، و نأكل ما حضر، فإنه يوم شديد فإذا أبردنا تفرّقنا. و إلا فهو الموت، ليس دونه شيء» . قال الوليد رافعا صوته: «أما على هذا الوجه لا يكون و اللّه أبدا، فضعه في سويداء قلبك» . فقلت له: «ما هذا الوجه الذي أنكرته علينا رحمك اللّه؟هل هاهنا إلا الحاجة و الضرورة» ؟قال: «إنك أخرجته مخرج الهزء» . قلت: «كيف أخرجه مخرج الهزء، و حياتي في يدك، مع معرفتي بك» ؟فغضب و نتر يده من أيدينا، و فارقنا. و لا و اللّه ما اعتذر إلينا مما ركبنا به إلى الساعة، و لم أر من يجعل الأسى في المنع إلا هو، و إلا ما كان من أبي مازن إلى جبل العمّيّ.
جبل و أبو مازن:
و كان جبل خرج ليلا من موضع كان فيه، فخاف العسس [٥] ، و لم يأمن أحد يتبعه فيضرّه. فقال: «لو دققت الباب على أبي مازن، فبتّ
[١] يوم قائظ: شديد الحرارة.
[٢] البرسام: التهاب في الحجاب بين الكبد و القلب.
[٣] الباطنة: أي الاسواق و البيوت و مجتمع الناس.
[٤] فنقيل: نقيم فيه.
[٥] العسس: من يطوفون بالليل يحرسون الناس و يكشفون اهل الريبة.