البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٢٥٨ - ثمامة و قاسم التمّار
أخذ يمنة، و أخذ ما بين يدي من كان بينه و بين ثمامة، حتى لم يدع إلاّ عرقا قدّام ثمامة، ثم مال على جانبه الأيسر فصنع مثل ذلك الصنيع.
و عارضه ابنه و حكاه. فلما أن نظر ثمامة إلى الثريدة مكشوفة القناع، مسلوبة عارية، و اللحم كله بين يده و بين يدي ابنه، إلا قطعة واحدة بين يديه، تناولها فوضعها قدام إبراهيم ابنه. فلم يدفعها و احتسب بها في الكرامة و البرّ.
فقال قاسم لما فرغ من غدائه: «أ ما رأيتم إكرام ثمامة لابني، و كيف خصّه» فلما حكي هذا لي، قلت: « ويلك أظن أن في الأرض عرقا أشأم على عيالك منه. هذا أخرجه الغيظ، و هذا الغيظ لا يتركه حتّى يتشفّى منك. فإن قدر لك على ذنب فقد و اللّه هلكت، و إن لم يقدر عليه أقدره لك الغيظ. و أبواب التجنّي كثيرة، و ليس أحد إلا و فيه ما إن شئت تجعله ذنبا جعلته، فكيف ذنوب من قرنك إلى قدمك» ! و كان ثمامة يفطر، أيام كان في أصحاب الفساطيط [١] ، ناسا، فكثروا عليه، و أتوه بالرقاع [٢] و الشفاعات. و في حشوة المتكلّمين [٣]
أخلاق قبيحة، و فيهم على أهل الكلام، و على أرباب الصناعات، محنة عظيمة. فلما رأى ثمامة ما قد دهمه، أقبل عليهم و هم يتعشون فقال:
«إن اللّه عزّ و جل لا يستحي من الحق، كلكم واجب الحق، و من لم تجئنا شفاعته فالحرمة كمن تقدمت شفاعته. كما أنا لو استطعنا أن نعمّكم بالبرّ لم يكن بعضكم أحق بذلك من بعض، فكذلك أنتم إذا عجزنا أو بدا لنا، فليس بعضكم بالحرمان من بعض، أو بالحمل عليه [٤] ، أو بالاعتذار اليه، من بعض. و متى قرّبتكم و فتحت بابي لكم، و باعدت
[١] الفساطيط: أي أهل الفسطاط. و الفسطاط بيت من شعر، و مجتمع أهل الكورة حول مسجد جماعتهم.
[٢] الرقاع: الورق.
[٣] اي في جماعتهم، عامتهم، و هم من دون المتقدمين منهم.
[٤] الحمل عليه: مجابهته.