البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٢٣١ - رد ابن التوأم على أبي العاص الثقفي
تحوّل عدوّا، و زوجة مختلعة، و جارية مستبيعة [١] ، و عبدا يحقرك و ولدا ينتهرك.
فانظر أين موقع فوت الثناء من موقع ما عددنا عليك من هذا البلاء.
على أن الثناء طعم [٢] و لعلك ألا تطعمه، و الحمد أرزاق و لعلك أن تحرمه، و ما يضيع من إحسان الناس أكثر. و على أن الحفظ [٣] قد ذهب بموت أهله أ لا ترى أنّ الشعر لما كسد [٤] أفحم أهله؟و لما دخل النقص على كل شيء أخذ الشعر منه بنصيبه؟و لما تحوّلت الدولة في العجم [٥] ، و العجم لا تحوط الأنساب، و لا تتحفّظ المقامات [٦] . لأنّ من كان في الريف و الكفاية، و كان مغمورا بسكر الغنى، كثر نسيانه و قلّت خواطره [٧] ، و من احتاج تحركت همّته و كثر تنقيره. و عيب الغنى أنه يورث البلدة، و فضيلة الفقر أنه يبعث الفكر.
و إن أنت صحبت الغنى بإهمال النفس أسكرك الغنى، و سكر الغنى شيئة المستأكلين و تضرية الخدّاعين [٨] و إن كنت لا ترضى بحظ النائم و بعيش
[١] زوجة مختلعة: من دفعت الى زوجها مالا فطلّقها. و جارية مستبيعة: استباع: سأل ان يبيعه إياه. و الجارية تسأل سيدها ان يبيعها.
[٢] جمع طعمة، اي مأكلة.
[٣] اي حفظ اخبار الكرماء و تذكرهم.
[٤] مات بموت الكرماء الممدوحين به.
[٥] لما تأثر بالأجناس الطارئة على المجتمع العربي انحطّ و ضعف.
لا تحوط الأنساب: ان العجم لا تهتم بأصول أنسابها. و تتحفظ المقامات: اي ان الأعاجم لا يبالون لحفظ ما يدور في مجالسهم و مقاماتهم. و هذا مديح للعرب، و موقف واضح ضد الشعوبية. المقامات: مجالس العرب.
[٦] من كان في الريف: كان كثير العطاء لأنه مكتف، يتمتع بالثروة و المال.
و المراد بذلك، ان الأعاجم لما حضروا إلى الحواضر، او الى اماكن غنية غمرهم النسيان فأغرقوا بالمدينة و الغنى فنسوا انسابهم، بخلاف العرب.
[٧] سكر الغنى: النشوة بالغنى و الشعور بالثروة. شيئة: إرادة. و وردت «سبّة» في نسخة أخرى؛ و هي ان تلك النشوة تجعل الخادعين يستأكلونهم، انما هي سبّة لهم.
[٨] و التضرية: تعويد.