البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٢٢٩ - رد ابن التوأم على أبي العاص الثقفي
نعمتك و ما دسّوا لها من الدواهي. و اعمل على أن سحرهم يسترقّ الذهن و يختطف البصر. قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «إن من البيان سحرا» ، و سمع عمر بن عبد العزيز يتكلم في حاجة فقال: «هذا و اللّه السحر الحلال» ، و قد قال رسول اللّه صلّى اللّه عليه و سلّم: «لا خلابة [١] » . و احذر احتمال مديحهم، فإن محتمل المديح في وجهه، كمادح نفسه.
إن مالك لا يسع مريديه و لا يبلغ رضى طالبيه. و لو أرضيتهم باسخاط مثلهم، لكان ذلك خسرانا مبينا. فكيف و من يسخط أضعاف من يرضى، و هجاء الساخط أضرّ من فقد مديح الراضي؟و على أنهم إذا اعتوروك بمشاقصهم و تداولوك بسهامهم [٢] ، لم تر ممن أرضيته في إسخاطهم أحدا يناضل عنك و لا يهاجي شاعرا دونك، بل يخليك غرضا لسهامهم و دريئة لنبالهم، ثم يقول: و ما كان عليه لو أرضاهم؟فكيف يرضيهم، و رضى الجميع شيء لا ينال؟و قد قال الأول: و كيف يتفق لك رضى المختلفين؟و قالوا: منع الجميع أرضى للجميع.
إني أحذّرك مصارع المخدوعين، و أرفعك عن مضاجع المغبونين. إنك لست كمن لم يزل يقاسي تعذّر الأمور، و يتجرّع [٣] مرار العيش، و يتحمّل ثقل الكد، و يشرب بكأس الذل، حتى كاد يمرن على ذلك جلده و يسكن عليه قلبه. و فقر مثلك مضاعف الألم، و جزع من لم يعرف الألم أشد. و من لم يزل فقيرا فهو لا يعرف الشامتين، و لا يدخله المكروه من سرور الحاسدين، و لا يلام على فقره، و لا يصير موعظة لغيره، و حديثا يبقى ذكره، و يعلنه بعد الممات ولده.
دعني من حكايات المستأكلين ورقى الخادعين، فما زال الناس يحفظون
[١] الخلابة: الخداع.
[٢] مشاقصهم: جمع مشقص، و هو النصل العريض. و اعتوروك و تداولوك: اصابوك بسهامهم، أو رموك بها الواحد تلو الآخر.
[٣] يتجرّع: يشرب. و الكلام على المجاز.