البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٢٢٤ - رد ابن التوأم على أبي العاص الثقفي
و لذلك قال مشتري الأرض لبائعها، حين قال له البائع: «دفعتها [١]
إليك بطيئة الإجابة، عظيمة المئونة» قال: «دفعتها إليك بطيئة الاجتماع، سريعة التفرق» .
و الدرهم هو القطب الذي تدور عليه رحى الدنيا. و اعلم أن التخلّص من نزوات [٢] الدرهم و تفلته و التحرز من سكر الغنى، و تقلبه شديد، فلو كان إذا تفلت كان حارسه صحيح العقل، سليم الجوارح، لردّه في عقاله، و لشده بوثاقه. و لكنا وجدنا ضعفه عن ضبطه، بقدر قلقه في يده. و لا تغتّر بقولهم:
«مال صامت» [٣] ، فإنه أنطق من كل خطيب، و أنمّ من كل نمّام. فلا تكترث بقولهم: «هذين الحجرين [٤] » ، و تتوهم جمودهما و سكونهما، و قلة ظعنهما، و طول إقامتهما، فإن عملهما و هما ساكنان، و نقضهما للطبائع، و هما ثابتان، أكثر من صنيع السّم الناقع [٥] ، و السبع العادي. فإن كنت لا تكتفي بصنعة حتى تفقده، و لا تحتال فيه حتى تحتال له، فالقبر خير لك من الفقر، و السجن خير لك من الذل.
و قولي هذا مرّ يعقب حلاوة الأبد، و قول أبي العاص حلو يعقب مرارة الأبد. فخذ لنفسك بالثقة، و لا ترض أن يكون الحرباء الراكب العود أحزم منك، فإن الشاعر يقول:
أنّى أتيح لها حرباء تنضبة # لا يرسل الساق إلا ممسكا ساقا [٦]
[١] دفعتها: يعود الضمير للدراهم و هي ثمن الأرض.
[٢] نزوات: الواحدة نزوة: الوثبة.
[٣] المال الصامت: الذهب و الفضة و نحوهما.
[٤] الحجران: الذهب و الفضة.
[٥] السم الناقع: السم القاتل، الشديد.
[٦] الحرباء: الأنثى منها الحرباءة. و التنضبة: نوع من الشجر الحجازي الشائك تقصده أو تألفه الحرابي. و هذا البيت يدل على ان ما من شيء يترك إلا و يؤخذ عوضا عنه شيء آخر.