البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٢٠٥ - من أبي العاص بن عبد الوهاب بن عبد المجيد الثقفي إلى الثقفي
الحمد. و الطعام الذي آثرتموه يعود رجيعا [١] ، و الشارب يصير بولا، و البناء يعود نقضا [٢] ، و الغناء ريح هابّة و مسقط للمروءة، و سخافة تفسد، و رنّة تسير [٣] . فلذّتكم فيما حوى لكم الفقر و نقض المروءة، و لذتنا فيما حوى لنا الغنى و بنى المروءة، فنحن في بناء و أنتم في هدم، و نحن في إبرام و أنتم في نقض [٤] ، و نحن في التماس العزّ الدائم مع فوت بعض اللذة و أنتم في التعرّض للذل الدائم مع فوت كل المروءة» .
و قد فهمنا معنى حكايتك، و ما لهجت به روايتك. و الدليل على انتقاض طباعك [٥] و إدبار أمرك، استحسانك ضد ما كنت تستحسن، و عشقك لما كنت لم تزل تمقت، فبعدا و سحقا. و لا يبعد اللّه إلا من ظلم. و الشاعر أبصر بكم حيث يقول:
فإن سمعت بهلك للبخيل فقل # بعدا و سحقا له من هالك مودي [٦]
تراثه جنّة للوارثين إذا # أودى، و جثمانه للتّرب و الدّود
و قال آخر:
تبلى محاسن وجهه في قبره # و المال بين عدوّه مقسوم
و الحمد للّه الذي لم يمتنى حتى أرانيك وكيلا في مالك [٧] ، و أجيرا لوارثك. و أما أنت فقد تعجّلت الفقر قبل أوانه، و صرت كالمجلود في
[١] الرجيع: الرّوث، زبل الفرس.
[٢] أي البناء المهدوم، الأنقاض من البيوت.
[٣] تذوي في الهواء و تسير.
[٤] الإبرام: الحكمة في الأمر. النقض: الانحلال. أي نحن نتصرف بوعي و ادراك، و انتم غدوتم ضعفاء تسيرون نحو الهلاك و الانحلال.
[٥] انتقاض طباعك: انحلالها و تداعيها.
[٦] بعدا و سحقا له: اي ابعده اللّه من رحمته. المودي: من اودى، اي هلك.
[٧] اي وكيلا في مالك لورثتك، لا تنتفع به انتفاع المالك.