البخلاء - الجاحظ - الصفحة ٢٠ - توطئة
اللصوص مالك، فقد بلغت لك ما لم يبلغه أب بار، و لا أم رءوم.
و سألت أن أكتب لك علّة «خبّاب» [١] في نفي الغيرة، و أن بذل الزوجة داخل في باب المؤاساة و الأثرة؛ و أن فرج الأمة في العارية، كحكم الخدمة؛ و أن الزوجة في كثير من معانيها كالأمّة، و أنّ الأمة مال كالذهب و الفضة، و أن الرجل أحقّ ببنته من الغريب، و أولى بأخته من البعيد؛ و أن البعيد أحقّ بالغيرة، و القريب أولى بالأنفة، و أنّ الاستزادة في النسل كالاستزادة في الحرث، إلا أن العادة هي التي أوحشت منه، و الديانة هي التي حرّمته، و لأن الناس يتزيّدون أيضا في استعظامه، و ينتحلون أكثر مما عندهم في استشناعه.
و علّة «الجهجاه» [٢] في تحسين الكذب في مواضع، و في تقبيح الصدق في مواضع، و في إلحاق الكذب بمرتبة الصدق، و في حطّ الصدق الى موضع الكذب. و أن الناس يظلمون الكذب بتناسي مناقبه [٣] ، و تذكّر مثالبه [٤] ، و يحابون [٥] الصدق بتذكّر منافعه، و بتناسي مضارّه.
و أنهم لو وازنوا بين مرافقهما، و عدّلوا بين خصالهما، لما فرّقوا بينهما هذا التفريق، و لما رأوهما بهذه العيون.
و مذهب «صحصح» [٦] في تفضيل النسيان على كثير من الذكر، و أن الغباء، في الجملة، أنفع من الفطنة، في الجملة، و أنّ عيش البهائم أحسن موقعا من النفوس، من عيش العقلاء؛ و أنك لو أسمنت بهيمة، و رجلا ذا مروءة، أو امرأة ذات عقل و همّة، و أخرى ذات غباء و غفلة،
[١] خبّاب: يستدل من كلام الجاحظ ان هذا الرجل كان على المذهب المزدكي.
[٢] رجل كان يقبّح الصدق و يفضّل الكذب و يحسّنه.
[٣] مناقبه: مفردها منقبة، العمل الحسن.
[٤] مثالبه: سيئاته.
[٥] يحابون: يؤيدون و يناحرون.
[٦] يستدل من سياق الكلام انه كان يفضل الجهل على الذكاء. و الجسد على العقل...