البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١٢٩ - قصة محمد بن أبي المؤمل
الصدر، و في ذلك موت الشهوة و تسكين الحركة. و لو أن رجلا جلس على بيدر تمر فائق، و على كدس كمّثرى [١] منعوت، و على مائة قنو موز [٢]
موصوف، لم يكن أكله إلا على قدر استطرافه، و لم يكن أكله على قدر أكله إذا أتي بذلك في طبق نظيف، مع خادم نظيف، عليه منديل نظيف.
و بعد، فأصحابنا آنسون واثقون مسترسلون، يعلمون أن الطعام لهم اتّخذ، و أن أكلهم له أوفق من تمزيق الخدم و الأتباع له. و لو احتاجوا لدعوا به، و لم يحتشموا منه، و لكان لا أقلّ من أن يجرّبوا ذلك المرة و المرتين، و أن لا يقضوا علينا بالبخل دون أن يروناه. فإن كانوا محتشمين و قد بسطناهم، و شاء ظنّهم بنا مع ما يرون من الكلفة لهم، فهؤلاء أصحاب تجنّ و تترّع [٣] . و ليس في طاقتي إعتاب المتجنّي و لا رد المتترّع.
قلت له: إني قد رأيت أكلهم في منازلهم و عند إخوانهم، و في حالات كثيرة و مواضع مختلفة، و رأيت أكلهم عندك، فرأيت شيئا متفاوتا و أمرا متفاقما. فاحسب أن التجنّي عليهم غالب، و أن الضعف لهم شامل، و أن سوء الظن يسرع إليهم خاصة، لم لا تداوي هذا الأمر بما لا مئونة فيه بالشيء الذي لا قدر له، أو تدع دعاءهم و الإرسال إليهم و الحرص على إجابتهم؟و القوم ليس يلقون أنفسهم عليك، و إنما يجيئونك بالاستحباب منك. فإن أحببت أن تمتحن ما أقول، فدع مواترة [٤] الرسل و الكتب، و التغضّب عليهم إذا أبطئوا، ثم انظر.
قال: فان الخبز إذا كثر على الخوان فالفاضل مما يأكلون لا يسلم من
[١] كمّثرى: الاجاص.
[٢] قنو موز: عنقود موز.
[٣] تترّع: انفعال و تسرع.
[٤] مواترة: تتبعهم.