البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١١٩ - قصة الكنديّ
لا يعرف، فقد وضعها في مواضع الغرر [١] و على أعظم الخطر. و قد صار في معنى المودع، و صار المكتري في موضع المودع. ثم ليست الخيانة و سوء الولاية الى شيء من الودائع أسرع منها الدور. و أيضا أن أصلح السكان حالا من إذا وجد في الدار مرمّة ففوّضوا إليه النفقة و أن يكون ذلك محسوبا عند الأهلّة، الذي يشفّف في البناء [٢] و يزيد في الحساب. فما ظنك بقوم هؤلاء أصلحهم و هم خيارهم. و أنتم أيضا ربما أكريتم [٣]
مستغلات غيركم، بأكثر مما اكتريتموها منه. فسيروا فينا كسيرتكم فيهم، و أعطونا من أنفسكم مثل ما تريدونه منهم. و ربما بنيتم في الأرض، فإذا صار البناء بنيانكم (و إن كانت الأرض لغيركم) ادّعيتم الشركة، و جعلتموه كالإجارة، و حتى تصيّروه كتلاد مال أو مورّث سلف.
و جرم آخر، هو أنكم أهلكتم أصول أموالنا، و أخربتم غلاتنا، و حططتم بسوء معاملتكم أثمان دورنا و مستغلاتنا، حتى غلات الدور من أعين المياسير [٤] و أهل الثروة، و من أعين العوّام و الحشوة، و حتى تدافعوكم بكل حيلة، و صرّفوا أموالهم في كل وجه، و حتى قال عبيد اللّه بن الحسن [٥] قولا أرسله مثلا، و عاد علينا حجة و ضررا. و ذلك أنه قال: «غلة الدار مسكة و غلة النخل كفاف [٦] ، و إنما الغلة غلة الزرع و النّسولتين [٧] » . و إنما جرّ ذلك علينا حسن اقتضائنا، و صبرنا على سوء قضائكم. و أنتم تقطعونها علينا و هي عليكم مجملة، و تلووننا بها و هي عليكم حالّة. فصارت كذلك غلاّت الدور (و إن كانت أكثر ثمنا
[١] الغرر: الخطر-الخوف.
[٢] يشفّف: يقلّل.
[٣] أكريتم: اخذتم أجرة المستأجر.
[٤] المياسير: اهل الثروة الموسرين.
[٥] هو عبيد اللّه بن الحسن العنبري، قاض فصيح، خطيب.
[٦] كفاف: ما كان بقدر الحاجة. مسكة: ما يمسك الرمق.
[٧] النسولتين: ما يقتنى للنسل.