البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١١٦ - قصة الكنديّ
أرض الدار. و يدقّ على الأجذاع و الحواضن و الرواشن [١] ، و إن كانت الدار مقرمدة أو بالاجر مفروشة، و قد كان صاحبها جعل في ناحية منها صخرة، ليكون الدّق عليها، و لتكون واقية دونها. دعاهم التهاون، و القسوة، و الغش، و الفسولة، إلى أن يدقوا حيث جلسوا، و إلى ألا يحفلوا بما أفسدوا. لم يعط قط لذلك أرشا [٢] ، و لا استحلّ صاحب الدار، و لا استغفر اللّه منه في السّر. ثم يستكثر من نفسه، في السنة، إخراج عشرة دراهم، و لا يستكثر من رب الدار ألف دينار في الشهر.
أ يذكر ما يصير إلينا مع قلته، و لا يذكر ما يصير إليه مع كثرته؟ هذا و الأيام التي تنقض المبرم، و تبلى الجدّة، و تفرّق الجميع المجتمع، عاملة في الدور كما تعمل في الصخور، و تأخذ من المنازل كما تأخذ من كلّ رطب و يابس، كما تجعل الرطب يابسا، و اليابس هشيما، و الهشيم [٣] مضمحلا.
و لانهدام المنازل غاية قريبة، و مدة قصيرة. و الساكن فيها هو المتمتع بها [٤] ، و المنتفع بمرافقها. و هو الذي أبلى جدّتها و ذهب بحلاها، و به هرمت و ذهب عمرها، لسوء تدبيره. فإذا قسنا الغرم عند انهدامها بإعادتها، و بعد ابتدائها، و غرم ما بين ذلك من مرمّتها و إصلاحها، ثم قابلنا بذلك ما أخذنا من غلاّتها، و ارتفقنا به من إكرائها، خرج على المسكن من الخسران، بقدر ما حصل للساكن من الربح.
إلا أن الدراهم التي أخرجناها من النفقة، كانت جملة، و التي أخذناها على جهة الغلة جاءت مقطعة. و هذا مع سوء القضاء، و الأحوج
[١] الرواشن: هي الرفوف الخشبية.
[٢] ارشا: الدية.
[٣] الهشيم: العشب اليابس.
[٤] وردت في بعض النسخ «هو كان المتمتع بها... » و لم نر وجها لإضافة «كان» إلى العبارة.