البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١١٤ - قصة الكنديّ
و ينقلع الجص، و ينكسر العتب. مع انثناء الأجذاع لكثرة الوطء، و تكسّرها لفرط الثقل. و إذا كثر الدخول و الخروج و الإغلاق و الإقفال و جذب الأقفال، تهشمت الأبواب و تقلعت الرزّات [١] و إذا كثر الصبيان، و تضاعف البوش [٢] نزعت مسامير الأبواب، و قلعت كل ضبّة [٣] ، و نزعت كل رزّة، و كسرت كل حوزة [٤] ، حفر فيها آبار الزدو [٥] ، و هشّموا بلاطها بالمداحي [٦] . هذا مع تخريب الحيطان بالأوتاد و خشب الرفوف.
و إذا كثر العيال و الزوّار، و الضيفان و الندماء، احتيج من صب الماء و اتخاذ الحببة [٧] القاطرة، و الجرار الرّاشحة، إلى أضعاف ما كانوا عليه.
فكم من حائط قد تأكل أسفله، و تناثر أعلاه، و استرخى أساسه، و تداعى بنيانه، من قطر حب و رشح جرة، و من فضل ماء البئر، و من سوء التدبير. و على قدر كثرتهم يحتاجون من الخبيز و الطبيخ و من الوقود و التسخين. و النار لا تبقي و لا تذر. و إنما الدور حطب لها. و كل شيء فيها من متاع فهو أكل لها. فكم من حريق قد أتى على أصل الغلة، فكلفتم أهلها أغلظ النفقة. و ربما كان ذلك عند غاية العسرة، و شدة الحال. و ربما تعدت تلك الجناية الى دور الجيران، والى مجاورة الأبدان و الأموال. فلو ترك الناس حينئذ رب الدار و قدر بليّته و مقادر مصيبته، لكان عسى ذلك أن يكون محتملا. و لكنهم يتشاءمون به، و لا يزالون يستثقلون ذكره، و يكثرون من لائمته و تعنيفه.
[١] الرزات: مفردها رزة: حديدة يدخل فيها القفل.
[٢] البوش: العيال.
[٣] ضبّة: ضرب من المغاليق.
[٤] حوزة الموضع الذي أقيم له أو حوله حاجز. أو ما انضم إلى الدار من المواقف و المنافع.
[٥] الزدو: لعبة للصبيان يحفرون لها في الأرض.
[٦] المداحي: مفردها مدحاة: خشبة يدحى بها الصبي. و هي لعبة للصبيان ايضا.
[٧] الحببة: مفردها حب: الجرة.