البخلاء - الجاحظ - الصفحة ١١١ - الطفيلي
سليم. و كان إذا أكل، ذهب عقله، و جحظت عينه [١] ، و سكر، و سدر [٢] ، و انبهر [٣] ، و تربد وجهه [٤] ، و عصب [٥] و لم يسمع، و لم يبصر، فلما رأيت ما يعتريه و ما يعتري الطعام منه، صرت لا آذان له إلا و نحن نأكل التمر و الجوز و الباقلي. و لم يفجأني قط و أنا آكل تمرا إلا استفّه سفا، و حساه حسوا، و زدا به زدوا [٦] . و لا وجده كنيزا الا تناول القطعة كجمجمة الثور، ثم يأخذ بحضنيها، و يقلها من الأرض. ثم لا يزال ينهشها طولا و عرضا، و رفعا و خفضا، حتى يأتي عليها جميعا. ثم لا يقع غصبه إلا على الإنصاف و الاثلاث. و لم يفصل تمرة قط من تمرة. و كان صاحب جمل، و لم يكن يرضى بالتفاريق. و لا رمى بنواة قط، و لا نزع قمعا، و لا نفى عنه قشرا، و لا فتشه مخافة السوس و الدود. ثم ما رأيته قط، إلا و كأنه طالب ثأر، و شحشحان [٧] صاحب طائلة [٨] . و كأنه عاشق مغتلم [٩] ، أو جائع مقرور [١٠] .
و اللّه يا إخوتي لو رأيت رجلا يفسد طين الردغة [١١] ، و يضيع ماء البحر، لصرفت عنه وجهي. فإذا كان أصحاب النظر و أهل الديانة و الفلسفة، هذه سيرتهم، و هكذا أدبهم، فما ظنكم بمن لا يعد ما يعدون، و لا يبلغ من الأدب حيث يبلغون؟!
[١] جحطت عينه: برزت.
[٢] سدر: اضطرب.
[٣] انبهر: تتابع نفسه.
[٤] تربّد: اكفهر و اغبرّ و شحب.
[٥] عصب: غصّ، جف ريقه.
[٦] زدا به: لم نجده. و ربما يعني زراه، اي جعله يتناثر و يؤكل بخفة.
[٧] شحشحان: صاحب حماس و غيره.
[٨] الطائلة: الثأر.
[٩] عاشق مغتلم: صاحب شهوة.
[١٠] مقرور: اصابه البرد.
[١١] الردغة: الاوساخ و الوحول.