الصحيح من سيرة النبي الأعظم صلّى الله عليه وآله - العاملي، السيد جعفر مرتضى - الصفحة ١٨ - و لا يعنينا الوضع الجغرافي هنا إلا في النواحي التالية
و العمل. و من ثم فهي لا تساعد على الاستقرار، و تنظيم الحياة.
و من هنا فقد كان أكثر سكانها، بل قيل خمسة أسداسهم من البدو الرحل، الذين يمسون في مكان، و يصبحون في آخر.
الثانية: إن هذا الوضع قد جعل هذه المنطقة في مأمن من فرض السيطرة عليها من قبل الدولتين العظميين آنئذ: الرومان، و الفرس، و غيرهما؛ فلم تتأثر المنطقة بمفاهيمهم و أديانهم كثيرا، بل لقد هرب اليهود من حكامهم الرومان إلى جزيرة العرب، و احتموا فيها في يثرب (المدينة) و غيرها.
و قد نشأت عن هذا الوضع للجزيرة العربية، ظاهرة الدويلات القبلية، فلكل قبيلة حاكم، و كل ذي قوة له سلطان.
الثالثة: إن هذه الحياة الصعبة، و هذا الحكم القبلي، و عدم وجود روادع دينية، أو وجدانية قوية، قد دفع بهذه القبائل إلى ممارسة الإغارة و السلب ضد بعضها البعض، كوسيلة من وسائل العيش أحيانا، و أحيانا لفرض السيطرة و السلطان، و أحيانا أخرى للثأر و إدراك الأوتار، إلى آخر ما هنالك، فتغير هذه القبيلة على تلك؛ فتستولي على أموالها، و تسبي نساءها و أطفالها، و تقتل أو تأسر من تقدر عليه من رجالها، ثم تعود القبيلة المنكوبة لتتربص بهذه الغالبة الفرصة لمثل ذلك، و هكذا.
و من هنا، فإن من الطبيعي أن يكون شعور أفراد كل قبيلة بالنسبة لأبناء قبيلتهم قويا جدا، بدافع من شعورهم بالحاجة إلى بعضهم البعض للدفاع عن الحياة، و الكفاح من أجلها، مما كان سببا قويا لزيادة حدة التعصب القبلي، الذي لا يرثي، و لا يرحم، و لا يلين، حيث لا بد من الوقوف إلى جانب ابن القبيلة، سواء أكان الحق له، أو عليه، حتى لقد قال