مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٧٣ - ٢ سورة البقرة
لِقَوْمِهِ إِنَّ اللَّهَ يَأْمُرُكُمْ أَنْ تَذْبَحُوا بَقَرَةً قَالُوا أَتَتَّخِذُنَا هُزُوًا».
«قَالَ أَعُوذُ بِاللَّهِ أَنْ أَكُونَ مِنَ الْجَاهِلِينَ». أي: إنّ الإستهزاء من عمل الجاهلين، وأنبياء اللَّه مبرّؤون من ذلك.
بعد أن أيقنوا جديّة المسألة، «قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنْ لَنَا مَا هِىَ». وعبارة «ربّك» تتكرر في خطاب بني إسرائيل لموسى، وتنطوي على نوع من إساءة الأدب والسخرية، وكأنّ ربّ موسى غير ربّهم!
موسى عليه السلام أجابهم: «قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَافَارِضٌ وَلَا بِكْرٌ عَوَانٌ بَيْنَ ذلِكَ». أي: إنّها لا كبيرة هرمة ولا صغيرة، بل متوسطة بين الحالتين: «فَافْعَلُوا مَا تُؤْمَرُونَ».
لكن بني إسرائيل لم يكفوا عن لجاجتهم: «قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنْ لَنَا مَا لَوْنُهَا».
أجابهم موسى: «قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ صَفْرَاءُ فَاقِعٌ لَّوْنُهَا تَسُرُّ النَّاظِرِينَ». أي: إنّها حسنة الصفرة لا يشوبها لون آخر.
ولم يكتف بنو إسرائيل بهذا، بل أصروا على لجاجهم، وضيقوا دائرة انتخاب البقرة على أنفسهم. عادوا و «قَالُوا ادْعُ لَنَا رَبَّكَ يُبَيّنْ لَّنَا مَا هِىَ». طالبين بذلك مزيداً من التوضيح، متذرعين بالقول: «إِنَّ الْبَقَرَ تَشَابَهَ عَلَيْنَا وَإِنَّا إِن شَاءَ اللَّهُ لَمُهْتَدُونَ».
أجابهم موسى: «قَالَ إِنَّهُ يَقُولُ إِنَّهَا بَقَرَةٌ لَاذَلُولٌ تُثِيرُ الْأَرْضَ وَلَا تَسْقِى الْحَرْثَ». أي:
ليست من النوع المذلل لحرث الأرض وسقيها.
«مُسَلَّمَةٌ» من العيوب كلها.
«لَّا شِيَةَ فِيهَا». أي: لا لون فيها من غيرها.
حينئذ: «قَالُوا النَ جِئْتَ بِالْحَقِّ». «فَذَبَحُوهَا وَمَا كَادُوا يَفْعَلُونَ». أي: أنّهم بعد أن وجدوا بقرة بهذه السمات ذبحوها بالرغم من عدم رغبتهم بذلك.
بعد أن ذكر القرآن تفاصيل القصّة، عاد فلخص الحادث بآيتين: «وَإذْ قَتَلْتُمْ نَفْسًا فَادَّارَءْتُمْ فِيهَا». أي: فاختلفتم في القتل وتدافعتم فيه. «وَاللَّهُ مُخْرِجٌ مَّا كُنتُمْ تَكْتُمُونَ».
«فَقُلْنَا اضْرِبُوهُ بِبَعْضِهَا». أي: اضربوا المقتول ببعض أجزاء البقرة، كي يحيى ويخبركم بقاتله. «كَذلِكَ يُحْىِ اللَّهُ الْمَوْتَى وَيُرِيكُمْ ءَايَاتِهِ لَعَلَّكُمْ تَعْقِلُونَ».
وبعد هذه الآيات البينات، لم تلن قلوب بني إسرائيل، بل بقيت على قسوتها وغلظتها وجفافها. «ثُمَّ قَسَتْ قُلُوبُكُمْ مِنْ بَعْدِ ذلِكَ فَهِىَ كَالْحِجَارَةِ أَوْ أَشَدُّ قَسْوَةً».
إنّها أشد قسوة من الحجارة، لأنّ بعض الحجارة تتفجر منها الأنهار، أو تنبع منها المياه أو