مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٨ - ٢ سورة البقرة
المسألة بشكل كامل، واعتبروها شبيهة بالوساطات التي تقدم إلى السلاطين والحكام الظالمين. وثمة مجموعة كالوهابيين استندوا إلى الآية الكريمة: «لَايُقْبَلُ مِنْهَا شَفَاعَةٌ». فأنكروا الشفاعة تماماً، دون الإلتفات إلى سائر الآيات في هذا المجال.
الشّروط المختلفة للشفاعة: آيات الشفاعة تصرح أنّ مسألة الشفاعة في مفهوم الإسلام مقيدة بشروط، هذه الشروط تحدد تارة الخطيئة التي يستشفع المذنب لها، وتحدّد تارة اخرى الشخص المشفوع له، كما تقيد من جهة اخرى الشفيع، وهذه الشروط بمجموعها تكشف عن المفهوم الحقيقي للشفاعة وعن فلسفتها.
ثمّة ذنوب كالظلم مثلًا خارجة عن دائرة الشفاعة حيث يقول القرآن: «مَا لِلظَّالِمِينَ مِنْ حَمِيمٍ وَلَا شَفِيعٍ يُطَاعُ» [١].
كما أنّ الشفاعة- وطبقاً للآية (٢٨) من سورة الأنبياء- لا تشمل إلّاأولئك المرتقين إلى درجة «الإرتضاء» وإلى درجة الالتزام بالعهد الإلهي حيث يقول القرآن: «لَايَمْلِكُونَ الشَّفَاعَةَ إِلَّا مَنِ اتَّخَذَ عِندَ الرَّحْمنِ عَهْدًا» [٢].
الإرتضاء، واتخاذ العهد، يعنيان على المستوى اللغوي (وكذلك ما ورد من الروايات في تفسير هذه الآيات): الإيمان باللَّه والحساب والميزان والثواب والعقاب، والإعتراف بالحسنات والسيئات، وبما أنزل اللَّه، إيماناً عميقاً في الفكر، ظاهراً في العمل ... إيماناً يبعد صاحبه عن صفات الظالمين الذين لا يؤمنون بأية قيمة إنسانية، ويدفعه إلى إعادة النظر في منهج حياته.
وبشأن الشفعاء ذكر القرآن لهم شرطاً في قوله تعالى: «إِلَّا مَنْ شَهِدَ بِالْحَقّ» [٣]. من هنا فالمشفوع له أيضاً ينبغي أن يسلك طريق الحق في القول والعمل، كي يكون له إرتباط بالشفيع، وهذا الإرتباط الضروري بين الشفيع والمشفوع له يعتبر بدوره عاملًا بنّاءاً في تعبئة الطاقات على طريق الحق.
[١] سورة غافر/ ١٨.
[٢] سورة مريم/ ٨٧.
[٣] سورة الزخرف/ ٨٦.