مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥٠
جهة اخرى، فيقول: «انظُرْ كَيْفَ نُبَيّنُ لَهُمُ الْأَيَاتِ ثُمَّ انظُرْ أَنَّى يُؤْفَكُونَ» [١]. ولكي يكمل الاستدلال السابق تستنكر
الآية التالية
عبادتهم المسيح مع أنّهم يعلمون أنّ له احتياجات بشرية، وإنّه لا قدرة له على دفع الضرر عن نفسه أو نفعها، فكيف يتسنى له دفع الضرر عن الغير أو نفعهم؟ «قُلْ أَتَعْبُدُونَ مِن دُونِ اللَّهِ مَا لَايَمْلِكُ لَكُمْ ضَرًّا وَلَا نَفْعًا».
وفي النهاية يحذّرهم من أن يظنّوا أنّ اللَّه لا يسمع ما يتقوّلونه أو لا يعلم ما يكنونه:
«وَاللَّهُ هُوَ السَّمِيعُ الْعَلِيمُ».
الآية التالية
تأمر رسول اللَّه صلى الله عليه و آله- بعد اتضاح خطأ أهل الكتاب في الغلو- أن يدعوهم بالأدلة الجلية إلى الرجوع عن السير في هذا الطريق: «قُلْ يَا أَهْلَ الْكِتَابِ لَاتَغْلُوا فِى دِينِكُمْ غَيْرَ الْحَقّ» [٢].
إنّ غلو النصارى معروف، إلّاأنّ غلو اليهود، الذي يشملهم تعبير «يَا أَهْلَ الْكِتَابِ» قد يكون إشارة إلى ما كانوا يقولونه عن عُزير وقد اعتبروه ابن اللَّه، ولمّا كان الغلو ينشأ- أكثر ما ينشأ- عن إتّباع الضالين أهواءهم، لذلك يقول اللَّه سبحانه «وَلَا تَتَّبِعُوا أَهْوَاءَ قَوْمٍ قَدْ ضَلُّوا مِن قَبْلُ وَأَضَلُّوا كَثِيرًا وَضَلُّوا عَن سَوَاءِ السَّبِيلِ».
وفي هذا إشارة أيضاً إلى ما انعكس في التأريخ المسيحي، إذ أنّ موضوع التثليث والغلو في أمر المسيح عليه السلام لم يكن له وجود خلال القرون الاولى من المسيحية، ولكن عندما اعتنق بعض الهنود وأمثالهم من عبدة الأصنام المسيحية أدخلوا فيها شيئاً من دينهم السابق كالتثليث والشرك.
٥/ ٨٠- ٧٨ لُعِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا مِنْ بَنِي إِسْرَائِيلَ عَلَى لِسَانِ دَاوُدَ وَ عِيسَى ابْنِ مَرْيَمَ ذلِكَ بِمَا عَصَوْا وَ كَانُوا يَعْتَدُونَ (٧٨) كَانُوا لَا يَتَنَاهَوْنَ عَنْ مُنْكَرٍ فَعَلُوهُ لَبِئْسَ مَا كَانُوا يَفْعَلُونَ (٧٩) تَرَى كَثِيراً مِنْهُمْ يَتَوَلَّوْنَ الَّذِينَ كَفَرُوا لَبِئْسَ مَا قَدَّمَتْ لَهُمْ أَنْفُسُهُمْ أَنْ سَخِطَ اللَّهُ عَلَيْهِمْ وَ فِي الْعَذَابِ هُمْ خَالِدُونَ (٨٠)
[١] «الإفك»: كل مصروف عن وجهه الذي يحق أن يكون عليه، و «المأفوك»: المصروف عن الحقّ، وإن كان عن تقصيره، ومن هنا يسمّى إفكاً، لأنّه يصد الإنسان عن الحقّ.
[٢] «تغلو»: من مادة «الغلو» وهي بمعنى تجاوز الحدّ، إلّاأنّها تستعمل للإشارة إلى تجاوز الحدّ بالنسبة لمقام شخص من الأشخاص ومنزلته.