مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٧٤ - ٤ سورة النساء
وما مصدر هذا الطلب العجيب الغريب البعيد عن المنطق غير الصلف والعناد، فهم بطلبهم هذا قد تبنّوا عقيدة المشركين الوثنيين في تجسيد اللَّه وتحديده، وقد أدّى عنادهم هذا إلى نزول عذاب اللَّه عليهم، صاعقة من السماء أحاطت بهم لما إرتكبوه من ظلم كبير. تقول الآية: «فَأَخَذَتْهُمُ الصَّاعِقَةُ بِظُلْمِهِمْ». ثم تشير الآية إلى عمل قبيح آخر ارتكبه اليهود، وذلك حين لجؤوا إلى عبادة العجل بعد أن شاهدوا بأعينهم المعجزات الكثيرة والدلائل الواضحة، فتقول: «ثُمَّ اتَّخَذُوا الْعِجْلَ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيّنَاتُ».
ومع كل هذا الصلف والعناد والشرك، يريهم اللَّه لطفه ورحمته ويغفر لهم لعلهم يرتدعوا عن غيّهم، ويهب لنبيهم موسى عليه السلام ملكاً بارزاً وسلطاناً مبيناً، ويفضح السامري صاحب العجل ويخمد فتنته وفي هذا تقول الآية: «فَعَفَوْنَا عَن ذلِكَ وَءَاتَيْنَا مُوسَى سُلْطَانًا مُّبِينًا».
لكن اليهود بسبب ما انطوت عليه سريرتهم من شرّ- لم يستيقظوا من غفلتهم، ولم يخرجوا من ضلالتهم، ولم يتخلوا عن صلفهم وغرورهم، فرفع اللَّه جبل الطور لينزله على رؤوسهم، حتى أخذ منهم العهد والميثاق وأمرهم أن يدخلوا خاضعين خاشعين- من باب بيت المقدس- دليلًا على توبتهم وندمهم، وأكّد عليهم أن يكفوا عن أي عمل في أيام السبت، وأن لا يسلكوا سبيل العدوان، وأن لا يأكلوا السمك الذي حرم صيده عليهم في ذلك اليوم، وفوق كل ذلك أخذ اللَّه منهم ميثاقاً غليظاً مؤكداً، ولكنهم لم يثبتوا- مطلقاً- وفاءهم لأيمن هذه المواثيق والعهود يقول القرآن الكريم في هذا المجال: «وَرَفَعْنَا فَوْقَهُمُ الطُّورَ بِمِيثَاقِهِمْ وَقُلْنَا لَهُمُ ادْخُلُوا الْبَابَ سُجَّدًا وَقُلْنَا لَهُمْ لَاتَعْدُوا فِى السَّبْتِ وَأَخَذْنَا مِنْهُم مّيثَاقًا غَلِيظًا».
٤/ ١٥٨- ١٥٥ فَبِمَا نَقْضِهِمْ مِيثَاقَهُمْ وَ كُفْرِهِمْ بِآيَاتِ اللَّهِ وَ قَتْلِهِمُ الْأَنْبِيَاءَ بِغَيْرِ حَقٍّ وَ قَوْلِهِمْ قُلُوبُنَا غُلْفٌ بَلْ طَبَعَ اللَّهُ عَلَيْهَا بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا (١٥٥) وَ بِكُفْرِهِمْ وَ قَوْلِهِمْ عَلَى مَرْيَمَ بُهْتَاناً عَظِيماً (١٥٦) وَ قَوْلِهِمْ إِنَّا قَتَلْنَا الْمَسِيحَ عِيسَى ابْنَ مَرْيَمَ رَسُولَ اللَّهِ وَ مَا قَتَلُوهُ وَ مَا صَلَبُوهُ وَ لكِنْ شُبِّهَ لَهُمْ وَ إِنَّ الَّذِينَ اخْتَلَفُوا فِيهِ لَفِي شَكٍّ مِنْهُ مَا لَهُمْ بِهِ مِنْ عِلْمٍ إِلَّا اتِّبَاعَ الظَّنِّ وَ مَا قَتَلُوهُ يَقِيناً (١٥٧) بَلْ رَفَعَهُ اللَّهُ إِلَيْهِ وَ كَانَ اللَّهُ عَزِيزاً حَكِيماً (١٥٨)