مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١ - ٢ سورة البقرة
بلاغة الحديث تستوجب انتخاب موجود ضعيف للتمثيل به، كيما يتضح ضعف اولئك. في الآية (٧٣) من سورة الحج، مثلًا يقول سبحانه: «إِنَّ الَّذِينَ تَدْعُونَ مِنْ دُونِ اللَّهِ لَنْ يَخْلُقُوا ذُبَابًا وَلَوِ اجْتَمَعُوا لَهُ وَإِنْ يَسْلُبْهُمُ الذُّبَابُ شَيْئًا لَايَسْتَنْقِذُوهُ مِنْهُ ضَعُفَ الطَّالِبُ وَالْمَطْلُوبُ».
وما المقصود من «فَمَا فَوْقَهَا»؟ للمفسرين في هذه رأيان:
الأوّل: «فوقها» في الصغر، لأنّ المقام مقام بيان صغر المثال، وهذا مستعمل في الحوار اليومي، نسمع مثلًا رجل يقول لآخر: ألا تستحي أن تبذل كل هذا الجهد من أجل دينار واحد؟ فيجيب الآخر: لا، بل أكثر من ذلك أنا مستعد لأبذل هذا الجهد من أجل نصف دينار! فالزيادة هنا في الصغر.
الثّاني: «فوقها» في الكبر. أي: إنّ اللَّه يضرب الأمثال بالصغير وبالكبير، حسب مقتضى الحال.
لكن الرأي الأوّل يبدو أنسب.
ثم تقول الآية: «فَأَمَّا الَّذِينَ ءَامَنُوا فَيَعْلَمُونَ أَنَّهُ الْحَقُّ مِن رَّبّهِمْ». فهؤلاء، بإيمانهم وتقواهم، بعيدون عن اللجاجة والعناد والحقد للحقيقة.
«وَأَمَّا الَّذِينَ كَفَرُوا فَيَقُولُونَ مَاذَا أَرَادَ اللَّهُ بِهذَا مَثَلًا يُضِلُّ بِهِ كَثِيرًا وَيَهْدِى بِهِ كَثِيرًا».
فيجيبهم اللَّه بعبارة قصيرة تحسم الموقف وتقول: «وَمَا يُضِلُّ بِهِ إِلَّا الْفَاسِقِينَ».
هداية اللَّه وإضلاله: الهداية والضلالة- في المفهوم القرآني- لا يعنيان الإجبار على انتخاب الطريق الصحيح أو الخاطىء، بل إنّ الهداية- المفهومة من الآيات المتعدّدة- تعني توفّر سبل السعادة، والإضلال: يعني زوال الأرضيّة المساعدة للهداية، دون أن يكون هناك إجبار في المسألة.
توفّر السبل (الذي نسميه التوفيق)، وزوال هذه السبل (الذي نسميه سلب التوفيق)، هما نتيجة أعمال الإنسان نفسه. فلو منح اللَّه فرداً توفيق الهداية، أو سلب من أحد هذا التوفيق، فإنّما ذلك نتيجة الأعمال المباشرة لهذا الفرد أو ذاك.
الفاسقون: هم المنحرفون عن طريق العبودية، لأنّ الفسق في اللغة إخراج النوى من التمر، ثم انتقل إلى الخروج عن طريق اللَّه.