مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٧٣ - ٤ سورة النساء
الأخوية، لكي يندمل بذلك ما في قلوب اولئك من الجراح، وينجبر ما في أفئدتهم من الكسر، وإلى هذا يشير قوله سبحانه: «فَلْيَتَّقُوا اللَّهَ وَلْيَقُولُوا قَوْلًا سَدِيدًا».
إنّ هذا التعليم الإسلامي إشارة إلى ناحية نفسية في مجال تربية اليتامى وهي: إنّ حاجة الطفل اليتيم لا تنحصر في الطعام والكساء، بل- مضافاً إلى الرعاية الجسدية- أن يحظى بالرعاية الروحية والعناية العاطفية، وإلّا نشأ قاسياً مهزوماً، عديم الشخصية، بل وحاقداً خطيراً.
٤/ ١٠ إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْماً إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِي بُطُونِهِمْ نَاراً وَ سَيَصْلَوْنَ سَعِيراً (١٠) الوجه الحقيقي لأفعال البشر: ابتدأت هذه السورة بعبارات شديدة النكير على من يتصرف في أموال اليتامى تصرفاً غير مشروع وغير صحيح، والآية الحاضرة هي أوضح هذه العبارات. تقول هذه الآية: «إِنَّ الَّذِينَ يَأْكُلُونَ أَمْوَالَ الْيَتَامَى ظُلْمًا إِنَّمَا يَأْكُلُونَ فِى بُطُونِهِمْ نَارًا».
ثم إنّه سبحانه يقول في بيان نتيجة أكل أموال اليتامى: «وَسَيَصْلَوْنَ سَعِيرًا».
ويستفاد من هذه الآية أنّ لأعمالنا مضافاً إلى وجهها الظاهري وجهاً واقعياً أيضاً، وجهاً مستوراً عنّا في هذه الدنيا، لا نراه بعيوننا هنا، ولكنه يظهر في العالم الآخر، وهذا الأمر هو ما يشكل مسألة تجسم الأعمال المطروحة في المعتقدات الإسلامية.
إنّ القرآن يصرح في هذه الآية بأنّ الذين يأكلون أموال اليتامى ظلماً وجوراً، وإن كان الوجه الظاهري لفعلهم هذا هو الأكل من الأطعمة اللذيذة الملونة، ولكن الوجه الواقعي لهذه الأغذية هو النار المحرقة الملتهبة، وهذا الوجه هو الذي يظهر ويتجلّى على حقيقته في عالم الآخرة.