مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٢٣ - ٢ سورة البقرة
الدنيا دار اختبار إلهي: بعد ذكر مسألة الشهادة في سبيل اللَّه، والحياة الخالدة للشهداء، تعرضت هذه الآية للاختبار الإلهي العام، ولمظاهره المختلفة، باعتباره سنّة كونية لا تقبل التغيير «وَلَنَبْلُوَنَّكُم بِشَىْءٍ مِّنَ الْخَوْفِ وَالْجُوعِ وَنَقْضٍ مِّنَ الْأَمْوَالِ وَالْأَنفُسِ وَالثَّمَرَاتِ».
ولما كان الإنتصار في هذه الاختبارات، لا يتحقق إلّافي ظل الثبات والمقاومة، قالت الآية بعد ذلك: «وَبَشّرِ الصَّابِرِينَ». فالصابرون هم الذين يستطيعون أن يخرجوا منتصرين من هذه الامتحانات، لا غيرهم.
الآية التالية
تعرّف الصابرين وتقول: «الَّذِينَ إِذَا أَصَابَتْهُم مُّصِيبَةٌ قَالُوا إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ».
الإقرار التام بالعبودية المطلقة للَّه، يعلمنا أن لا نحزن على ما فاتنا، لأنّه سبحانه مالكنا ومالك جميع ما لدينا من مواهب، إن شاء منحنا إيّاها، وإن استوجبت المصلحة أخذها منّا، وفي المنحة والمحنة مصلحة لنا.
والإلتفات المستمر إلى حقيقة عودتنا إلى اللَّه سبحانه، يشعرنا بزوال هذه الحياة، وبأنّ نقص المواهب المادية ووفورها عرض زائل، ووسيلة لإرتقاء الإنسان على سلم تكامله، فاستشعار العبودية والعودة في عبارة «إِنَّا لِلَّهِ وَإِنَّا إِلَيْهِ رَاجِعُونَ» له الأثر الكبير في تعميق روح المقاومة والاستقامة والصبر في النفس.
وآخر آية
في بحثنا هذا، تتحدث عن الألطاف الإلهيّة الكبرى، التي تشمل الصابرين الصامدين المتخرجين بنجاح من هذه الامتحانات الإلهيّة: «أُولئِكَ عَلَيْهِمْ صَلَوَاتٌ مِّن رَّبّهِمْ وَرَحْمَةٌ».
هذه الصلوات والرحمة تجعل هؤلاء على بصيرة من أمرهم، في مسيرتهم الحياتية المحفوفة بالمزالق والأخطار، لذلك تقول الآية: «وَأُولئِكَ هُمُ الْمُهْتَدُونَ».
بحوث
١- لماذا الإختبار الإلهي؟ أوّل ما يتبادر للذهن في هذا المجال هو سبب هذا الاختبار، فنحن نختبر الأفراد لنفهم ما نجهله عنهم. فهل أنّ اللَّه سبحانه وتعالى بحاجة إلى مثل هذا الاختبار لعباده، وهو العالم بكل الخفايا والأسرار؟ وهل هناك شيء خفي عنه حتى يظهر له بهذا الإمتحان؟
والجواب أنّ مفهوم الاختبار الإلهي يختلف عن الاختبار البشري.