مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥٥٣
من المسلمين ٨٢ رجلًا سوى النساء والصبيان، فلما علمت قريش بذلك، وجّهوا عمرو بن العاص وصاحبه عمارة بن الوليد بالهدايا، إلى النجاشي وإلى بطارقته ليردّوهم إليهم.
فلما ركبوا السفينة شربوا الخمر ... وألقى اللَّه بينهما العداوة في مسيرهما، قبل أن يقدما إلى النجاشي.
ثم وردا على النجاشي فقال عمرو بن العاص: أيّها الملك! إنّ قوماً خالفونا في ديننا وسبّوا آلهتنا، وصاروا إليك فردّهم إلينا. ثم قدّما ما حملاه من هدايا إلى النجاشي.
فبعث النجاشي إلى جعفر، فجاءه، فقال: يا أيّها الملك سلهم، أنحن عبيد لهم؟
فقال: لا بل أحرار.
قال: فسلهم ألهم علينا ديون يطالبوننا بها؟
قال: لا، ما لنا عليكم ديون.
قال: فلكم في أعناقنا دماء تطالبونا بها؟
قال عمرو: لا.
قال: فما تريدون منّا؟ آذيتمونا فخرجنا من دياركم. ثم قال: أيّها الملك! بعث اللَّه فينا نبيّاً أمرنا بخلع الأنداد وترك الإستقسام بالأزلام، وأمرنا بالصلاة والزكاة والعدل والإحسان وإيتاء ذيالقربى، ونهانا عن الفحشاء والمنكر والبغي.
فقال النجاشي: بهذا بعث اللَّه عيسى، ثم قال النجاشي لجعفر: هل تحفظ مما أنزل اللَّه على نبيّك شيئاً؟ قال: نعم، فقرأ سورة مريم، فلمّا بلغ قوله: «وَهُزّى إِلَيْكَ بِجِذْعِ النَّخْلَةِ تُسَاقِطْ عَلَيْكِ رُطَبًا جَنِيًّا». قال: هذا واللَّه هو الحق! فقال عمرو: إنّه مخالف لنا فردّه إلينا.
فرفع النجاشي يده وضرب بها وجه عمرو وقال: اسكت، واللَّه لئن ذكرته بعد بسوء لأفعلنّ بك. وقال: أرجعوا إلى هذا هديته، وقال لجعفر وأصحابه: امكثوا فإنّكم سيوم، والسيوم: آمنون، وأمر لهم بما يصلحهم من الرزق، فانصرف عمرو وأقام المسلمون هناك بخير دار، وأحسن جوار إلى أن هاجر رسول اللَّه وعلا أمره وهادن قريشاً، وفتح خيبر، فوافى جعفر إلى رسول اللَّه بجميع من كانوا معه، فقال رسول اللَّه:
«لا أدري أنا بفتح خيبر أسرّ أم بقدوم جعفر».
ووافي جعفر وأصحابه رسول اللَّه في سبعين رجلًا، منهم إثنان وستون من الحبشة وثمانية من أهل الشام، فيهم بحيراء الراهب، فقرأ عليهم رسول اللَّه صلى الله عليه و آله سورة «يس» إلى آخرها