مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٥١٤
عذاب الضمير وعقاب اللَّه والعار الأبدي! وتفيد بعض الروايات المنقولة عن الإمام الصّادق عليه السلام أنّ قابيل حين قتل أخاه ترك جثته في العراء حائراً لا يدري ما يفعل بها، فلم يمض وقت حتّى حملت الوحوش المفترسة على جثة «هابيل» فاضطر «قابيل» (ربّما نتيجة لضغط وجداني شديد) إلى حمل جثة أخيه مدّة من الزمن لإنقاذها من فتك الوحوش، لكن الطيور الجارحة أحاطت به وهي تنتظر أن يضعها على الأرض للهجوم عليها ثانية وفي تلك الأثناء بعث اللَّه غراباً (كما تصرّح الآية) فأخذ يحفر الأرض ويزيح التراب ليدفن جسد غراب ميت آخر، أو ليخفي جزءاً من طعامه- كما هي عادة الغربان- وليدل بذلك «قابيل» كيف يدفن جثة أخيه، حيث تقول الآية الكريمة: «فَبَعَثَ اللَّهُ غُرَابًا يَبْحَثُ فِى الْأَرْضِ لِيُرِيَهُ كَيْفَ يُوَارِى سَوءَةَ أَخِيهِ» [١].
ثم تشير الآية الكريمة إلى أنّ قابيل استاء من غفلته وجهله، فأخذ يؤنّب نفسه كيف أصبح أضعف من الغراب فلا يستطيع دفن أخيه مثله، فتقول الآية: «قَالَ يَا وَيْلَتَى أَعَجَزْتُ أَنْ أَكُونَ مِثْلَ هذَا الْغُرَابِ فَأُوَارِىَ سَوْءَةَ أَخِى».
وكانت العاقبة أن ندم قابيل على فعلته الشنيعة كما تقول الآية: «فَأَصْبَحَ مِنَ النَّادِمِينَ».
في تفسير في ظلال القرآن، ذيل الآية مورد البحث، عن النبي صلى الله عليه و آله قال:
«لا تقتل نفس ظلماً إلّاكان على ابن آدم الأوّل كفل من دمها لأنّه كان أوّل من سن القتل».
٥/ ٣٢ مِنْ أَجْلِ ذلِكَ كَتَبْنَا عَلَى بَنِي إِسْرَائِيلَ أَنَّهُ مَنْ قَتَلَ نَفْساً بِغَيْرِ نَفْسٍ أَوْ فَسَادٍ فِي الْأَرْضِ فَكَأَنَّمَا قَتَلَ النَّاسَ جَمِيعاً وَ مَنْ أَحْيَاهَا فَكَأَنَّمَا أَحْيَا النَّاسَ جَمِيعاً وَ لَقَدْ جَاءَتْهُمْ رُسُلُنَا بِالْبَيِّنَاتِ ثُمَّ إِنَّ كَثِيراً مِنْهُمْ بَعْدَ ذلِكَ فِي الْأَرْضِ لَمُسْرِفُونَ (٣٢) وحدة الإنسانية وكرامتها: إنّ هذه الآية تقوم باستخلاص نتيجة إنسانية كلّية بعد الآيات التي تطرقت إلى قصّة ولدي آدم عليه السلام. ففي البداية تشير الآية إلى حقيقة اجتماعية
[١] جاء في تفسير مجمع البيان أنّ كلمة «يبحث»: معناها في الأصل هو البحث عن شىء في التراب ثم استعملت في مختلف أنواع البحوث. أمّا كلمة «سوءة»: فهي تعني كل شيء يستاء الإنسان من رؤيته ولذلك تطلق أحياناً على جسد الميت وعلى عورة الإنسان.