مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٥٥ - ٤ سورة النساء
بعد ذلك كله تشير الآية إلى صفات الشيطان وأهدافه وعدائه الخاص لأبناء آدم وتتناول بالشرح بعضاً من خططه الدنيئة، وقبل كل شيء تؤكد أنّ اللَّه قد أبعد الشيطان عن رحمته «لَعَنَهُ اللَّهُ».
وفي الحقيقة فإنّ أساس شقاء وتعاسة الشيطان هو البعد عن رحمة اللَّه، التي أصابته بسبب غروره وتكبره المفرطين.
ثم تذكر
الآية التالية
أنّ الشيطان قد أقسم على أن ينفذ بعضاً من خططه:
أوّلها: أن يأخذ من عباد اللَّه نصيباً معيناً، حيث تقول الآية حاكية قول الشيطان: «وَقَالَ لَأَتَّخِذَنَّ مِنْ عِبَادِكَ نَصِيبًا مَّفْرُوضًا». فالشيطان يعلم بعجزه عن اغواء جميع عباد اللَّه، لأنّ من يستسلم لإرادة الشيطان ويخضع له هم فقط اولئك المنجرفون وراء الأهواء والنزوات والذين لا إيمان لهم، أو ضعاف الإيمان.
والثانية: خطط الشيطان تلخصها الآية بعبارة: «وَلَأُضِلَّنَّهُمْ».
والثالثة: اشغلهم بالامنيات العريضة وطول الأمل: «وَلَأُمَنّيَنَّهُمْ» [١].
أمّا الخطة الرابعة: ففيها يدعو الشيطان أتباعه إلى القيام بأعمال خرافية، مثل قطع أو خرق أذان الحيوانات كما جاء في الآية: «وَلَأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُبَتّكُنَّ ءَاذَانَ الْأَنْعَامِ».
وهذه إشارة لواحد من أقبح الأعمال التي كان يرتكبها الجاهليون المشركون، حيث كانوا يقطعون أو يخرقون أذان بعض المواشي، وكانوا يحرمون على أنفسهم ركوبها بل يحرمون أي نوع من أنواع الإنتفاع بهذه الحيوانات.
وخامس: الخطط التي أقسم الشيطان أن ينفذها ضد الإنسان، هي ما ورد على لسانه في الآية إذ تقول: «وَلَأَمُرَنَّهُمْ فَلَيُغَيّرُنَّ خَلْقَ اللَّهِ».
وهذه الجملة تشير إلى أنّ اللَّه قد أوجد في فطرة الإنسان منذ خلقة إياه- النزعة إلى التوحيد وعبادة الواحد الأحد، بالإضافة إلى بقية الصفات والخصال الحميدة الأخرى.
وهذا الضرر الذي لا يمكن التعويض عنه، يلحقه الشيطان بأساس سعادة الإنسان، لأنّه يعكس له الحقائق والوقائع ويستبدلها بمجموعة من الأوهام والخرافات والوساوس التي
[١] إنّ عبارة «ولُامنينّهم»: تعود إلى المصدر «منى» على وزن «منع» وتعني قياس الشيء أو تقييمه، ولكنّها ترد في أغلب الأحيان لتعني القياس والتقييم والآمال الوهمية والخيالية أمّا النطفة التي تسمّى ب «مني» فمعناها أنّ قياس تركيب أولى الموجودات الحسية قد تمّ فيها.