مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤١٣ - ٤ سورة النساء
هذه الآية- أن لا يخون أحداً في أيّة أمانة دون استثناء، سواء كان صاحب الأمانة مسلماً أو غير مسلم، وهذا هو إحدى المواد في «الميثاق الاسلامي لحقوق الإنسان» التي يتساوى تجاهها كل أفراد البشر.
ثم إنّه سبحانه يشير- في القسم الثاني من الآية- إلى قانون مهم آخر، وهو مسألة «العدالة في الحكومة» فيقول: «وَإِذَا حَكَمْتُم بَيْنَ النَّاسِ أَن تَحْكُمُوا بِالْعَدْلِ». أي إنّ اللَّه يوصيكم أيضاً أن تلتزموا جانب العدالة في القضاء والحكم بين الناس، فتحكموا بعدل.
ثم قال سبحانه تأكيداً لهذين التعليمين: «إِنَّ اللَّهَ نِعِمَّا يَعِظُكُم بِهِ».
ثم يقول مؤكّداً ذلك أيضاً: «إِنَّ اللَّهَ كَانَ سَمِيعًا بَصِيرًا» فهو يراقب أعمالكم وهو يسمع أحاديثكم ويرى أفعالكم.
إنّ الأمانة لا تنحصر في الأموال التي يودعها الناس- بعضهم عند بعض- بل العلماء في المجتمع هم أيضاً مستأمنون يجب عليهم أن لا يكتموا الحقائق، بل حتى أبناء الإنسان وأولاده أمانات إلهية لدى الآباء والامهات فلا يفرطوا في تربيتهم، ولا يقصروا في تأديبهم وتعليمهم، وإلّا كان ذلك خيانة في الأمانة الإلهية التي أمر اللَّه بأدائها، بل وفوق ذلك كله الوجود الإنساني، فهو وجميع الطاقات المودوعة فيه «أمانات اللَّه» التي يجب على الإنسان أن يجتهد في المحافظة عليها، كما عليه أن يحافظ على صحّة جسمه وسلامة روحه.
في الكافي عن الإمام الصادق عليه السلام أنّه قال لأحد أصحابه:
«اعلم أنّ ضارب علي بالسيف وقاتله لو ائتمنني واستنصحني واستشارني ثم قبلت ذلك منه لأدّيت إليه الأمانة».
٤/ ٥٩ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا أَطِيعُوا اللَّهَ وَ أَطِيعُوا الرَّسُولَ وَ أُولِي الْأَمْرِ مِنْكُمْ فَإِنْ تَنَازَعْتُمْ فِي شَيْءٍ فَرُدُّوهُ إِلَى اللَّهِ وَ الرَّسُولِ إِنْ كُنْتُمْ تُؤْمِنُونَ بِاللَّهِ وَ الْيَوْمِ الْآخِرِ ذلِكَ خَيْرٌ وَ أَحْسَنُ تَأْوِيلًا (٥٩) هذه الآية وبعض الآيات اللاحقة تبحث عن واحدة من أهم المسائل الإسلامية، ألا وهي مسألة القيادة، وتعيين القادة والمراجع الحقيقيين للمسلمين في مختلف المسائل الدينية والاجتماعية. فهي تأمر المؤمنين- أوّلًا- بأن يطيعوا اللَّه، ومن البديهي أنّه يجب أن تنتهي جميع الطاعات- عند الفرد المؤمن- إلى طاعة اللَّه سبحانه، وكل قيادة وولاية يجب أن تنبع من ولاية اللَّه سبحانه وذاته المقدّسة تعالى وتكون حسب أمره ومشيئته، لأنّه الحاكم