مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٤٠٥ - ٤ سورة النساء
هو «سمعنا غير مسمع» أو «أسمعنا لا سمعت» أو معناه العربي الآخر، وهو ما يرجع إلى الرعونة الذي يعني الحمق [١].
وقد كان هذا كله بهدف إزاحة الحقائق عن محورها الأصلي بألسنتهم والطعن في الدين الحق، والشريعة الحقة: «لَيًّا بِأَلْسِنَتِهِمْ وَطَعْنًا فِى الدّينِ».
«وَلَوْ أَنَّهُمْ قَالُوا سَمِعْنَا وَأَطَعْنَا وَاسْمَعْ وَانظُرْنَا لَكَانَ خَيْرًا لَّهُمْ وَأَقْوَمَ». أي: إنّهم إن سلكوا الطريق المستقيم وتركوا كل ذلك اللجاج والعناد، ومعاداة الحق، وسوء الأدب، والجرأة والوقاحة وقالوا: سمعنا كلام اللَّه وأطعنا، فاستمع إلى كلامنا وأمهلنا لكي ندرك الحقائق إدراكاً كاملًا، لكان ذلك من مصلحتهم، وكان في ذلك منفعتهم، وأكثر انسجاماً وتوافقاً مع العدل والمنطق والعدل والأدب.
«وَلكِن لَّعَنَهُمُ اللَّهُ بِكُفْرِهِمْ فَلَا يُؤْمِنُونَ إِلَّا قَلِيلًا». أي: إنّهم لن يتخلوا عن هذا السلوك الشائن بسرعة، كيف؟ وقد ابتعدوا عن رحمة اللَّه بسبب ما هم عليه من كفر وتمرد وطغيان، وماتت أفئدتهم وتحجّرت بحيث صار من المتعذّر أن تخضع للحق، وأن تحيا من رقدتها بهذه السرعة، اللّهم إلّابعضهم ممن يمتلك فؤاداً طاهراً وعقلًا يقظاً، فهؤلاء هم المستعدون للقبول بالحقائق، والاستماع إلى نداء الحق والإيمان به.
٤/ ٤٧ يَا أَيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ آمِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدِّقاً لِمَا مَعَكُمْ مِنْ قَبْلِ أَنْ نَطْمِسَ وُجُوهاً فَنَرُدَّهَا عَلَى أَدْبَارِهَا أَوْ نَلْعَنَهُمْ كَمَا لَعَنَّا أَصْحَابَ السَّبْتِ وَ كَانَ أَمْرُ اللَّهِ مَفْعُولًا (٤٧) مصير المعاندين: تعقيباً على البحث السابق في الآية المتقدمة حول أهل الكتاب، وجه الخطاب في هذه الإية إليهم أنفسهم، إذ قال سبحانه: «يَا أيُّهَا الَّذِينَ أُوتُوا الْكِتَابَ ءَامِنُوا بِمَا نَزَّلْنَا مُصَدّقًا لِّمَا مَعَكُم». أي: آمنوا بالقرآن الكريم الذي تجدونه موافقاً لما جاء في كتبكم من العلامات والبشائر.
[١] «راعنا»: إذا اخذت مشتقة من مادة الرعى تكون بمعنى فعل الطلب من المراعاة و المراقبة، و بمعنى أمهلنا، و إذا اخذت مشتقة من الرعونة تكون بمعنى «أخذناو اجعلنا حمقى عندك» يقولون ذلك على سبيل الاستهزاء و السب، و لابد من الالتفات إلى أن راعنا على الوجه الأول تكون بدون تشديد النون، و على الوجه الثانى بتشديد النون، و يستفاد من جملة من الراوايات أن اليهود كانوا يتعمدون تشديد النون فى راعنا و مد آخرها.