مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٤١ - ٣ سورة آل عمران
لابد أن تتميز الصفوف: تنوه الآيتان الحاضرتان بحقيقة هامة هي أنّ أيّة مصيبة (كتلك التي وقعت في احد) مضافاً إلى أنّها لم تكن دون سبب وعلة، فإنّها خير وسيلة لتمييز صفوف المجاهدين الحقيقيين عن المنافقين أو ضعفاء الإيمان، ولذلك جاء في القسم الأوّل من الآية الاولى: «وَمَا أَصَابَكُمْ يَوْمَ الْتَقَى الْجَمْعَانِ فَبِإِذنِ اللَّهِ». أي: أنّ ما أصابكم يوم تقاتل المسلمون والمشركون فهو بإذن اللَّه ومشيئته وإرادته لأنّ لكل ظاهرة في عالم الكون المخلوق للَّه سبحانه سبباً خاصاً وعلة معينة.
ثم يقول سبحانه في المقطع التالي من الآية: «وَلِيَعْلَمَ الْمُؤْمِنِينَ وَلِيَعْلَمَ الَّذِينَ نَافَقُوا».
ثم إنّ القرآن الكريم يستعرض حواراً قد وقع بين بعض المسلمين، والمنافقين قبل المعركة بالشكل التالي: «وَقِيلَ لَهُمْ تَعَالَوْا قَاتِلُوا فِى سَبِيلِ اللَّهِ أَوِ ادْفَعُوا». فإنّ بعض المسلمين (وهو عبد اللَّه بن عمر بن حزام على ما نقل عن ابن عباس) عندما رأى إنسحاب عبد اللَّه بن أبي سلول وانفصالهم عن الجيش الإسلامي، وإعتزامهم العودة إلى المدينة قال: تعالوا قاتلوا في سبيل اللَّه أو ادفعوا عن حريمكم وأنفسكم إن لم تقاتلوا في سبيل اللَّه.
ولكنهم تعللوا، واعتذروا بأعذار واهية إذ قالوا: «لَوْ نَعْلَمُ قِتَالًا لَّاتَّبَعْنَاكُمْ». أي إنّنا نظن أنّ الأمر ينتهي بلا قتال فلا حاجة لوجودنا معكم.
فإنّ هذه كانت مجرد إعتذارات وتعللات، لأنّ الحرب كانت حتمية الوقوع، ولأنّ المسلمين إنتصروا في بداية المعركة، وأمّا ما لحق بهم من الهزيمة والإنكسار فلم يكن إلّا بسبب أخطاء ومخالفات إرتكبوها هم أنفسهم بحيث لولاها لما وقعت بهم هزيمة، ولذا يقول اللَّه سبحانه: «هُمْ لِلْكُفْرِ يَوْمَئِذٍ أَقْرَبُ مِنْهُمْ لِلإِيمَانِ». أي إنّهم يكذبون.
ثم علل سبحانه ما ذكره عنهم بقوله: «يَقُولُونَ بِأَفْوَاهِهِم مَّا لَيْسَ فِى قُلُوبِهِمْ». أي إنّهم يظهرون خلاف ما يضمرون، ويبدون من القول خلاف ما يكتمون من الاعتقاد والنية، فإنّهم لإصرارهم على إقتراحهم بالقتال داخل أسوار المدينة، أو رهبة من ضربات العدو، أو لعدم حبّهم للإسلام أحجموا عن الإسهام في تلك المعركة، وامتنعوا عن المضي إلى احد في صحبة المسلمين، «وَاللَّهُ أَعْلَمُ بِمَا يَكْتُمُونَ». فإنّ اللَّه يعلم جيداً ما يخفونه ويضمرونه من النوايا.
٣/ ١٦٨ الَّذِينَ قَالُوا لِإِخْوَانِهِمْ وَ قَعَدُوا لَوْ أَطَاعُونَا مَا قُتِلُوا قُلْ فَادْرَءُوا عَنْ أَنْفُسِكُمُ الْمَوْتَ إِنْ كُنْتُمْ صَادِقِينَ (١٦٨)