مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١٢ - ٣ سورة آل عمران
التّفسير
لا تتخذوا الأعداء بطانة: هذه الآية التي جاءت بعد الآيات السابقة التي تعرضت لمسألة العلاقات بين المسلمين والكفّار، تشير إلى قضايا حساسة بالغة الأهمية، وتحذر المؤمنين- ضمن تمثيل لطيف- بأن لا يتخذوا من الذين يفارقونهم في الدين والمسلك أصدقاء يسرون إليهم ويخبرونهم بأسرارهم، وأن لا يطلعوا الأجانب على ما تحتفظ به صدورهم وما خفي من نواياهم وأفكارهم الخاصة بهم، قال سبحانه: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا لَاتَتَّخِذُوا بِطَانَةً مِّن دُونِكُمْ». وهذا يعني أنّ الكفار لا يصلحون لمواصلة المسلمين ومصادقتهم، كما لا يصلحون بأن يكونوا أصحاب سر لهم، وذلك لأنّهم لا يتورعون عن الكيد والإيقاع بهم ما استطاعوا: «لَايَأْلُونَكُمْ خَبَالًا» [١].
فليست الصداقات والعلاقات بقادرة على أن تمنع اولئك الكفار- بسبب ما يفارقون به المسلمين في العقيدة والمسلك- من إضمار الشر للمسلمين، وتمني الشقاء والعناء لهم «وَدُّوا مَا عَنِتُّمْ». أي أحبوا في ضمائرهم ودخائل نفوسهم لو أصابكم العنت والعناء.
إنّهم- لإخفاء ما يضمرونه تجاهكم- يحاولون دائماً أن يراقبوا تصرفاتهم، وأحاديثهم كيلا يظهر ما يبطنونه من شر وبغض لكم، بيد أنّ آثار ذلك العداء والبغض تظهر أحياناً في أحاديثهم وكلماتهم، عندما تقفز منهم كلمة أو اخرى تكشف عن الحقد الدفين والحنق المستكن في صدورهم: «قَدْ بَدَتِ الْبَغْضَاءُ مِنْ أَفْوَاهِهِمْ».
وقد أوضح اللَّه سبحانه في هذه الآية إحدى سبل التعرف على بواطن الأعداء ودخائل نفوسهم، ثم إنّه سبحانه يقول: «وَمَا تُخْفِى صُدُورُهُمْ أَكْبَرُ». أي أنّ ما يبدو من أفواههم ما هي إلّاشرارة تحكي عن تلك النار القوية الكامنة في صدورهم.
ثم إنّه تعالى يضيف قائلًا: «قَدْ بَيَّنَّا لَكُمُ الْأَيَاتِ إِن كُنتُمْ تَعْقِلُونَ». أي أنّ ما ذكرناه من الوسيلة للتعرف على العدو أمر في غاية الأهمية لو كنتم تتدبرون فيه، فهو يوقفكم على وسيلة جداً فعالة لمعرفة ما يكنّه الآخرون ويضمرونه تجاهكم، وهو أمر في غاية الخطورة بالنسبة لأمنكم وحياتكم وبرامجكم.
[١] «الخبال»: في الأصل بمعنى ذهاب شيء وهي تطلق في الأغلب على الأضرار التي تؤثر على عقل الإنسان وتلحق به الضرر.