مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣١ - ٢ سورة البقرة
هؤلاء يعتبرون عملهم المذبذب هذا نوعاً من الشطارة والدهاء «يُخَادِعُونَ اللَّهَ وَالَّذِينَ ءَامَنُوا». بينما لا يشعر هؤلاء أنّهم يسيئون بعملهم هذا إلى أنفسهم، ويبدّدون بانحرافهم هذا طاقاتهم، ولا يجنون من ذلك إلّاالخسران والعذاب الإلهي. «وَمَا يَخْدَعُونَ إلَّاأَنفُسَهُمْ وَمَا يَشْعُرُونَ».
في
الآية التالية
يبيّن القرآن أنّ النفاق في حقيقته نوع من المرض، فإنّ الإنسان السالم له وجه واحد فقط، وفي ذاته انسجام تام بين الروح والجسد، لأنّ الظاهر والباطن، والروح والجسم، يكمل أحدهما الآخر. إذا كان الفرد مؤمناً فالإيمان يتجلّى في كل وجوده، وإذا كان منحرفاً فظاهره وباطنه يدلان على انحرافه.
وازدواجية الجسم والروح مرض آخر وعلّة إضافية. إنّه نوع من التضاد والانفصال في الشخصية الإنسانية: «فِى قُلُوبِهِم مَرَضٌ».
وبما أنّ سنّة اللَّه في الكون اقتضت أن يتيسّر الطريق لكل سالك، وأن تتوفر سبل التقدم لكل من يجهد في وضع قدمه على الطريق. فقد أضاف القرآن قوله: «فَزَادَهُمُ اللَّهُ مَرَضًا».
وبما أنّ الكذب رأس مال المنافقين، يبررون به ما في حياتهم من متناقضات، ولهذا أشار القرآن في ختام الآية إلى هذه الحقيقة: «وَلَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ بِمَا كَانُوا يَكْذِبُونَ».
ثم تستعرض الآيات خصائص المنافقين، وتذكر أوّلًا أنّهم يتشدّقون بالإصلاح، بينما هم يتحركون على خط التخريب والفساد: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ لَاتُفْسِدُوا فِى الْأَرْضِ قَالُوا إِنَّمَا نَحْنُ مُصْلِحُونَ* أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ الْمُفْسِدُونَ وَلكِن لَّايَشْعُرُونَ».
ذكرنا سابقاً أنّ الإنسان، لو تمادى في الغيّ والضلال، يفقد قدرة التشخيص، بل تنقلب لديه الموازين، ويصبح الذنب والإثم جزءً من طبيعته. والمنافقون أيضاً بإصرارهم على انحرافهم يتطبّعون بخط النفاق، وتتراءى لهم أعمالهم بالتدريج وكأنّهم أعمال إصلاحية، وتغدو بصورة طبيعة ثانية لهم.
علامتهم الاخرى:
إعتدادهم بأنفسهم واعتقادهم أنّهم ذووا عقل وتدبير، وأنّ المؤمنين سفهاء وبسطاء: «وَإِذَا قِيلَ لَهُمْ ءَامِنُوا كَمَا ءَامَنَ النَّاسُ قَالُوا أَنُؤْمِنُ كَمَا ءَامَنَ السُّفَهَاءُ».
وهكذا تنقلب المعايير لدى هؤلاء المنحرفين، فيرون الإنصياع للحق وإتّباع الدعوة الإلهيّة سفاهة، بينما يرون شيطنتهم وتذبذبهم تعقلًا ودراية! غير أنّ الحقيقة عكس ما يرون: «أَلَا إِنَّهُمْ هُمُ السُّفَهَاءُ وَلكِن لَّايَعْلَمُونَ». أليس من السفاهة أن يضيّع الإنسان