مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٣٠٢ - ٣ سورة آل عمران
مقدمة للإتحاد والتآخي. وفي الحقيقة أنّ الدعوة إلى الإتحاد دون أن تستعين هذه الدعوة وتنبع من الجذور الخلقية والاعتقادية، دعوة قليلة الأثر، إن لم تكن عديمة الأثر بالمرّة، ولهذا يركز الاهتمام في هذه الآية على معالجة جذور الاختلاف، وإضعاف العوامل المسببة للتنازع في ضوء الإيمان والتقوى ولهذا توجه القرآن بالخطاب إلى المؤمنين فقال: «يَا أَيُّهَا الَّذِينَ ءَامَنُوا اتَّقُوا اللَّهَ حَقَّ تُقَاتِهِ». إنّ «حق التقوى» يعد من أسمى درجات التقوى وأفضلها لأنّه يشمل اجتناب كل إثم ومعصية، وكل تجاوز وعدوان، وإنحراف عن الحقّ.
ثم إنّه بعد أن أوصى جميع المؤمنين بملازمة أعلى درجات التقوى إنتهت الآية بما يعتبر تحذيراً- في حقيقته- للأوس والخزرج وغيرهم من المسلمين في العالم، تحذيراً مفاده: أنّ مجرد إعتناق الإسلام والانضمام إلى هذا الدين لا يكفي، إنّما المهم أن يحافظ المرء على إسلامه وإيمانه واعتقاده إلى اللحظة الأخيرة من عمره وحياته، ولهذا قال سبحانه: «وَلَا تَمُوتُنَّ إِلَّا وَأَنْتُم مُّسْلِمُونَ».
الدعوة إلى الإتحاد: بعد أن أوصت الآية السابقة كل المؤمنين بملازمة أعلى درجات التقوى ومهدت بذلك النفوس وهيّأتها، جاءت الآية الثانية تدعوهم بصراحة إلى مسألة الإتحاد، والوقوف في وجه كل ممارسات التجزئة وإيجاد الفرقة، فقال سبحانه في هذه الآية:
«وَاعْتَصِمُوا بِحَبْلِ اللَّهِ جَمِيعًا وَلَا تَفَرَّقُوا».
إنّ المقصود من
«حبل اللَّه»
هو كل وسيلة للإرتباط باللَّه تعالى سواء كانت هذه الوسيلة هي الإسلام، أم القرآن الكريم، أم النبي وأهل بيته الطاهرين عليهم السلام.
ثم إنّ القرآن بعد كل هذا يعطي مثالًا حيّاً من واقع الامة الإسلامية لأثر الإرتباط باللَّه وهو يذكر- في نفس الوقت- بنعمة الإتحاد والاخوة- تلك النعمة الكبرى- ويدعو المسلمين إلى مراجعة الماضي المؤسف، ومقارنة ذلك الاختلاف والتمزق بهذه الوحدة القوية الصلبة ويقول: «وَاذْكُرُوا نِعْمَتَ اللَّهِ عَلَيْكُمْ إِذْ كُنتُمْ أَعْدَاءً فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ فَأَصْبَحْتُم بِنِعْمَتِهِ إِخْوَانًا».
والملفت للنظر هو أنّ اللَّه نسب تأليف قلوب المؤمنين إلى نفسه فقال: «فَأَلَّفَ بَيْنَ قُلُوبِكُمْ». أي إنّ اللَّه ألف بين قلوبكم، وبهذا التعبير يشير القرآن الكريم إلى معجزة اجتماعية عظيمة للإسلام، لأنّنا لو لاحظنا ما كان عليه العرب والمجتمع الجاهلي من عداوات