مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٩٣ - ٣ سورة آل عمران
أمّا بشأن مكان هذا الإنفاق، أفي الدنيا أم في الآخرة؟ فقد ذكر المفسرون لذلك احتمالين إثنين، ولكن ظاهر الآية يدل على العالم الآخر، أي كانوا كافرين «وَمَاتُوا وَهُمْ كُفَّارٌ». فلو كانوا يملكون ملء الأرض ذهباً، وظنّوا أنّهم بالاستفادة من هذا المال، كما هي الحال في الدنيا، يستطيعون أن يدرأوا العقاب عن أنفسهم، فهم على خطأ فاحش، وفي الواقع فإنّ مضمون هذه الآية يشبه قوله تعالى في الآية (١٥) من سورة الحديد: «فَالْيَوْمَ لَايُؤْخَذُ مِنكُمْ فِدْيَةٌ وَلَا مِنَ الَّذِينَ كَفَرُوا».
وفي الختام يشير إلى نكتة اخرى في المقام ويقول: «أُولئِكَ لَهُمْ عَذَابٌ أَلِيمٌ وَمَا لَهُمْ مِّن نَّاصِرِينَ».
لا شك في أنّهم سينالون عقاباً شديداً مؤلماً، ولن يكون بإستطاعة أحد أن ينتصر أو يشفع لهم، لأنّ الشفاعة لها شرائط، وأهمها الإيمان باللَّه، ولهذا السبب فلو أن جميع الشفعاء اجتمعوا لإنقاذ أحد الكفار من عذاب النار لم تقبل شفاعتهم. وأساساً، بما أنّ الشفاعة بإذن اللَّه، فإنّ الشفعاء لا يشفعون أبداً لمثل هؤلاء الأفراد غير اللائقين للشفاعة، لأنّ الشفاعة تحتاج إلى قابلية المحل، والإذن الإلهي لا يشمل الأفراد غير اللائقين.
٣/ ٩٢ لَنْ تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنْفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ وَ مَا تُنْفِقُوا مِنْ شَيْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٩٢) من علائم الإيمان: بعد أن تحدثت الآية السابقة عن حال الكفار حينما يواجهون الواقع يوم القيامة، ويودون لو أنفقوا ملء الأرض ذهباً ليفتدوا به، جاءت هذه الآية لتعطي درساً مهماً في «الإنفاق» بالمناسبة، فقد قال سبحانه وتعالى في هذه الآية: «لَن تَنَالُوا الْبِرَّ حَتَّى تُنفِقُوا مِمَّا تُحِبُّونَ».
إنّ لكلمة
«البر»
معنى واسعاً يشمل كل أنواع الخير إيماناً كان أو أعمالًا صالحة، كما أنّ المستفاد من الآية (١٧٧) من سورة البقرة هو إعتبار «الإيمان باللَّه واليوم الآخر، والأنبياء، وإعانة المحتاجين، والصّلاة، والصيام، والوفاء، والإستقامة في البأساء والضراء» جميعها من شعب البر ومصاديقه. وعلى هذا فإنّ للوصول إلى مراتب الأبرار الحقيقيين شروطاً عديدة، منها: الإنفاق مما يحبه الإنسان من الأموال.
وحتى يطمئن المنفقون إلى أنّ أي شيء مما ينفقونه لن يعزب عن اللَّه سبحانه ولن يضيع، عقب اللَّه على حثه للناس على الإنفاق مما يحبون بقوله: «وَمَا تُنفِقُوا مِن شَىْءٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ