مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥٨ - ٣ سورة آل عمران
التّفسير
هذه الآيات تصرّح ببعض تحريفات أهل الكتاب الذين كانوا يتوسّلون بالتبريرات والأسباب الواهية لتفادي إجراء حدود اللَّه، مع أنّ كتابهم كان صريحاً في بيان حكم اللَّه بغير إبهام، وقد دُعوا للخضوع للحكم الموجود في كتابهم: «أَلَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ يَدْعُونَ إِلَى كِتَابِ اللَّهِ لِيَحْكُمَ بَيْنَهُمْ».
ولكن عصيانهم كان ظاهراً ومصحوباً بالإعراض والطغيان واتخاذ موقف المعارض لأحكام اللَّه: «ثُمَّ يَتَوَلَّى فَرِيقٌ مِنْهُمْ وَهُم مُّعْرِضُونَ».
يمكن الاستنتاج من «أُوتُوا نَصِيبًا مِّنَ الْكِتَابِ» أنّ ما كان بين أيدي اليهود والنصارى من التوراة والإنجيل لم يكن كاملًا، بل كان قسم منهما بين أيديهم، بينما كان القسم الأعظم من هذين الكتابين السماويين قد ضاع أو حُرّف.
وفي
الآية الثانية
شرح سبب عصيانهم وتمرّدهم، وهو أنّهم كانوا يحملون فكرة خاطئة عن كونهم من عنصر ممتاز، وهم اليوم أيضاً يحملون هذه الفكرة الباطلة الواضحة في كتاباتهم الدالة على الاستعلاء العنصري.
كانوا يظنّون أنّ لهم علاقة خاصة باللَّه سبحانه، حتى أنّهم سمّوا أنفسهم «أبناء اللَّه» كما ينقل القرآن ذلك على لسان اليهود والنصارى في الآية (١٨) من سورة المائدة قولهم: «نَحْنُ أَبْنؤُا اللَّهِ وَأَحِبؤُهُ». وبناءاً على ذلك كانوا يرون لأنفسهم حصانة تجاه العقوبات الربانية، وكانوا ينسبون ذلك إلى اللَّه نفسه. لذلك كانوا يعتقدون أنّهم لن يعاقَبوا على ذنوبهم يوم القيامة إلّالأيّام معدودات: «قَالُوا لَنْ تَمَسَّنَا النَّارُ إِلَّا أَيَّامًا مَعْدُودَاتٍ».
هذه الإمتيازات الكاذبة المصطنعة، التي أسبغوها على أنفسهم ونسبوها إلى اللَّه، صارت شيئاً فشيئاً جزءاً من معتقداتهم بحيث إنّهم اغترّوا بها وراحوا يخالفون أحكام اللَّه ويخرقون قوانينه مجترئين عليها جرأةً لا مزيد عليها «وَغَرَّهُمْ فِى دِينِهِم مَّا كَانُوا يَفْتَرُونَ».