مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ٢٥ - ٢ سورة البقرة
المجموعة الثالثة تضر بالإسلام- دون شك- أكثر من المجموعة الثانية، ولذلك فإنّ القرآن يقابلهم بشدة أكثر كما سنرى.
الآيات المذكورة تدور حول المجموعة الاولى، وتطرح خصائصهم في خمسة عناوين هي:
١- الإيمان بالغيب: «الغيب والشهود» نقطتان متقابلتان، عالم الشهود هو عالم المحسوسات، وعالم الغيب هو ما وراء الحس. لأنّ «الغيب» في الأصل يعني ما بطن وخفي، وقيل عن عالم ماوراء المحسوسات «غيب» لخفائه عن حواسنا.
الإيمان بالغيب هو بالضبط النقطة الفاصلة الاولى بين المؤمنين بالأديان السماوية، وبين منكري الخالق والوحي والقيامة، ومن هنا كان الإيمان بالغيب أوّل سمة ذكرت للمتقين.
«المؤمنين بالغيب» يعتقدون أنّ خالق عالمالوجود غير متناه في العلم والقدرة والإدراك، وأنّه أزلي وأبدي.
وأنّ الموت ليس بمعنى العدم والفناء، بل هو نافذة تطل على عالم أوسع وأكبر.
بينما الإنسان المادي يعتقد أنّ عالم الوجود محدود بما نلمسه ونراه، وأنّ العالم وليد مجموعة من القوانين الطبيعية العمياء الخالية من أي هدف أو تخطيط أو عقل أو شعور، والإنسان جزء من الطبيعة ينتهي وجوده بموته.
ما أكبر الهوّة التي تفصل بين هاتين الرؤيتين للكون والحياة.
الرؤية الاولى تربّي صاحبها على أن ينشد الحق والعدل والخير ومساعدة الآخرين، والثانية، لا تقدم لصاحبها أي مبرر على ممارسة الامور.
من هنا يسود في حياة المؤمنين الحقيقيين التفاهم والإخاء والطهر والتعاون، بينما تهيمن على حياة الماديين روح الاستعمار والاستغلال وسفك الدماء والنهب والسلب، وهذه الرؤية المادية تقمصت في عصرنا الصفات العلمية والتقدمية والتطورية. ولهذا السبب نرى القرآن يتخذ من «الإيمان بالغيب» نقطة البداية في التقوى.
٢- الإرتباط باللَّه: الصفة الاخرى للمتقين هي أنّهم: «يُقِيمُونَ الصَّلَوةَ».
«الصّلاة» باعتبارها رمز الإرتباط باللَّه، تجعل المؤمنين المنفتحين على عالم ماوراء الطبيعة على إرتباط دائم بالخالق العظيم، فهم لا يحنون رؤوسهم إلّاأمام اللَّه، ولا يستسلمون إلّالربّ السماوات والأرض.