مختصر الامثل - مكارم الشيرازي، الشيخ ناصر - الصفحة ١٧٢ - ٢ سورة البقرة
فمع الإلتفات إلى تبشير الأنبياء وإنذارهم يتوجه الإنسان إلى المبدأ والمعاد ويشعر أنّ وراءه جزاءً على أعماله فيحسّ أنّ مصيره مرتبط مباشرةً بتعاليم الأنبياء وما ورد في الكتب السماوية من الأحكام والقوانين الإلهيّة لحلّ التناقضات والنّزاعات المختلفة بين أفراد البشر، لذلك تقول الآية: «وَأَنزَلَ مَعَهُمُ الْكِتَابَ بِالْحَقّ لِيَحْكُمَ بَيْنَ النَّاسِ فِيمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ».
المرحلة الخامسة: هي التمسك بتعاليم الأنبياء وما ورد في كتبهم السماوية لإطفاء نار الخلافات والنزاعات المتنوعة (الاختلافات الفكرية والعقائدية والاجتماعية والأخلاقية).
المرحلة السادسة: واستمر الوضع على هذا الحال حتى نفذت فيهم الوساوس الشيطانية وتحرّكت في أنفسهم الأهواء النفسانية، وبهذا تقول الآية بعد ذلك: «وَمَا اخْتَلَفَ فِيهِ إِلَّا الَّذِينَ أُوتُوهُ مِن بَعْدِ مَا جَاءَتْهُمُ الْبَيّنَاتُ بَغْيًا بَيْنَهُمْ».
المرحلة السابعة: الآية الكريمة بعد ذلك تُقسّم الناس إلى قسمين، القسم الأوّل المؤمنون الذين ينتهجون طريق الحق والهداية ويتغلبون على كل الاختلافات بالاستنارة بالكتب السماوية وتعليم الأنبياء، فتقول الآية: «فَهَدَى اللَّهُ الَّذِينَ ءَامَنُوا لِمَا اخْتَلَفُوا فِيهِ مِنَ الْحَقّ بِإِذْنِهِ». في حين أنّ الفاسقين والمعاندين ماكثون في الضلالة والاختلاف.
وختام الآية تقول: «وَاللَّهُ يَهْدِى مَن يَشَاءُ إِلَى صِرَاطٍ مُّسْتَقِيمٍ». وهذه الفقرة إشارة إلى حقيقة إرتباط مشيئة اللَّه تعالى بأعمال الأفراد، فجميع الأفراد الراغبون في الوصول إلى الحقيقة يهديهم اللَّه تعالى إلى صراط مستقيم ويزيد في وعيهم وهدايتهم وتوفيقهم في الخلاص من الاختلافات والمشاجرات الدنيوية مع الكفار وأهل الدنيا ويرزقهم السكينة والاطمئنان، ويبين لهم طريق النجاة والاستقامة.
يستفاد من الآية أعلاه أنّ بداية انثباق الدين بمعناه الحقيقي كانت مقترنة مع ظهور المجتمع البشري بمعناه الحقيقي، من هنا نفهم سبب كون نوح أوّل انبياء اولوا العزم وأوّل أصحاب الشريعة والرسالة لا آدم.
٢/ ٢١٥ يَسْأَلُونَكَ مَا ذَا يُنْفِقُونَ قُلْ مَا أَنْفَقْتُمْ مِنْ خَيْرٍ فَلِلْوَالِدَيْنِ وَ الْأَقْرَبِينَ وَ الْيَتَامَى وَ الْمَسَاكِينِ وَ ابْنِ السَّبِيلِ وَ مَا تَفْعَلُوا مِنْ خَيْرٍ فَإِنَّ اللَّهَ بِهِ عَلِيمٌ (٢١٥)
سبب النّزول
في تفسير مجمع البيان: إنّ الآية نزلت يوم الخندق لما اشتدت المخافة وحوصِر المسلمون