الحاشية علی اصول الكافي (العاملي) - العلوي العاملي، السيد أحمد - الصفحة ٨٤ - كتاب العقل والجهل
جملتها قوله تعالى: «وَ بَثَّ فِيها مِنْ كُلِّ دَابَّةٍ»[١] والإنسان بحصّة حيوانيّته المشتركة من الدوابّ والبهائم، وإنّما يزيد عليها بفضيلة صورة اخرى زائدة على الحيوانيّة بها يمتاز عن غيره.
ثمّ إنّ الفرق بين هذه الآية والآية التي نقلناها في كيفيّة خلقة الإنسان وتدرّجه في الأطوار أنّ الكلام في الاولى كان من جهة الصورة، وهاهنا من جهة المادّة، فذكر اللَّه هناك صورةً بعد صورة متدرّجة إلى الشرف والكمال إلى أن انتهت إلى صورة هي أشرف وأكمل من الصورة السابقة التي كلّها من أطوار هذه النشأة، وهي آخر أطوار هذه النشأة وأوّل أطوار النشأة الاخرويّة، ولذلك أردف ذكره بقوله: «فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ»[٢]؛ تنبيهاً على أنّ في أطوار الخلق ليس شيء أحسن منه، وله أطوار اخرى داخلة في عالم الأمر.
ثمّ إنّه تعالى لمّا ذكر كيفيّةَ تكوّن هذا البدن من ابتداء كونه نطفة وجنيناً، والنطفة متكوّنة من التراب، فذلك التراب صار نطفة، ثمّ علقة، ثمّ بعد كونه علقة مراتبُ كثيرة إلى أن ينفصل من بطن الامّ الصغرى، ويمكث في الدنيا التي هي بطن الامّ الكبرى، ومقدار ذلك المكث وهو عمر دنياه، كما أنّ تسعة أشهر ونحوَها كان مقدارَ مكثه في بطن امّه، المستلزمِ لحركاته الكونيّة والكيفيّة.
وأمّا عمر الآخرة، فلا نهاية له.
فترتّب هذا العمر على ثلاث مراتبَ حسبَ اختلاف استحالاته الكونيّة:
أوّلها: أن يكون طفلًا.
وثانيها: أن يبلغ أشدّه.
وثالثها: الشيخوخة.
وهذا ترتيب صحيح مطابق للعقل؛ وذلك لأنّ الإنسان في أوّل عمره يكون في
[١]. البقرة( ٢): ١٦٤.
[٢]. المؤمنون( ٢٣): ١٤.