الحاشية علی اصول الكافي (العاملي) - العلوي العاملي، السيد أحمد - الصفحة ١١١ - كتاب العقل والجهل
ولكنّ الحقّ في هذا المقام القول بالتفصيل بعد الاستفسار بأن يقال أوّلًا: هل المراد منها العقليّتان أوالحسّيّتان؟ وعلى الأخير هل المراد حالهما بالقياس إلى نفسهما، أو بالقياس إلى النفس التي تستعملهما؟ وعلى الثاني بالقياس إلى الحيوان مطلقاً، أو بالقياس إلى الإنسان خاصّة؟ وعلى الثاني من جهة دنياه، أو من جهة اخراه؟ وعلى [الثاني] من جهة العلم، أو من جهة العمل؟ وفي هذه النشأة، أو في النشأة الآخرة، ثمّ يقاس بينهما في واحد من الأقسام، فيظهر عند ذلك أنّ الحكم بالأفضليّة على الإطلاق لواحد منهما بخصوصه على صاحبه غير صحيح كما لا يخفى على من له صحّة البصيرة.
قال عليه السلام: وقال «أَمْ تَحْسَبُ أَنَّ أَكْثَرَهُمْ يَسْمَعُونَ أَوْ يَعْقِلُونَ»[١]. [ص ١٥ ح ١٢]
أقول: لعلّه[٢] يظهر سرّه بتمهيد مقدّمة هي أنّ الإنسان مركّب من جوهرين: روح، وبدن، قد يقع التخالف بينهما في هذه النشأة، وذلك لكونه قابلًا لاكتساب الملكات والأخلاق، فإنّ من فعل فعلًا أو تكلّم بكلام، جُعل منه في نفسه أثر وحال يبقى زماناً، وإذا تكرّرت الأفاعيل من باب واحد، استحكمت الآثار في النفس فصارت الحال ملكةً وصورةً، فيصدر منها بسببها الأفعال بسهولة من غير رويّة وحاجة إلى تجشّم كسب جديد بعد ما لم يكن كذلك.
وإليه الإشارة في باب الملكة العلميّة بقوله تعالى: «يَكادُ زَيْتُها يُضِيءُ وَ لَوْ لَمْ تَمْسَسْهُ نارٌ»[٣].
ومن هذا الوجه يحصل تعلّم الصنائع والمكاسب العلميّة، ولو لم يكن هذا التأثّر والتلاحق للنفس الإنسانيّة في الاشتداد فيها يوماً فيوماً، لم يمكنها تعلّم شيء من الحِرَف والصنائع، وما لم ينجع فيها التأديب والتهذيب، لم يكن في تأديب الأفعال
[١]. الفرقان( ٢٥): ٤٤.
[٢]. المخطوط:« لعلّ».
[٣]. النور( ٢٤): ٣٥.