الحاشية علی اصول الكافي (العاملي) - العلوي العاملي، السيد أحمد - الصفحة ١٠٦ - كتاب العقل والجهل
وثانيهما: إجراء الآية على ظاهرها من دون إضمار.
أمّا الأوّل فعلى وجوه: الأوّل:- وهو قول أخفش والزجّاج وابن قتيبة- كأنّه قال:
ومثل الذين يدعون أهل الكفر إلى الحقّ كمثل الذي ينعق، فصار الناعق مثل الداعي إلى الحقّ كالرسول وسائر الدعاة إلى الحقّ، وصار الكفّار بمنزلة الغنم المنعوق بها ووجه التشبيه عدم فهمهم لما يسمعون كالبهيمة تسمع الصوت ولا تفهم معناه.
الثاني: مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتهم من الأوثان كمثل الناعق في دعائه لما لم يسمع ولا يفهم شيئاً من الكلام كالبهائم وما يجري مجراه، والبهائم لا تفهم فشُبِّه الأصنام- لأنّها لا تفهم- بالبهائم، فإذا كان من دعا بهيمة عدّ داعيها جاهلًا، فمن دعا حجراً كان أولى بالذّم.
والفرق بين هذا القول وما قبله أنّ المحذوف هاهنا هو الدعوة وهناك الداعي.
وفيه أنّ قوله: «إِلَّا دُعاءً وَ نِداءً»[١] لا يساعده؛ لأنّ الأصنام لا تسمع شيئاً.
الثالث: مثل الذين كفروا في دعائهم آلهتَم كمثل الناعق في دعائه عند الجبل، فإنّه لا يسمع إلّاصدى صوتِه، فإنّه قال: يا زيد! يُسمع من الصدى: يا زيد! فكذلك هؤلاء الكفّار إذا دعوا هذه الأصنام والأوثان، لا يسمعون منها ما تلفّظوا به من الدعاء والنداء.
تفسير الثاني فيه وجهان:
الأوّل: أن يقول: مثل الذين كفروا في قلّة عقلهم في عبادتهم لهذه الأوثان كمثل الراعي إذا تكلّم مع البهائم، فكما أنّه يقضى على ذلك الداعي بقلّة العقل فكذا هنا.
الثاني: مثل الذين كفروا في اتّباعهم آبائَهم، وتقليدهم لهم- كمثل الراعي إذا تكلّم مع البهائم- عبث عديم الفائدة، فكذا التقليد عبث عديم الفائدة.
وأمّا قوله: «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ فَهُمْ لا يَعْقِلُونَ»[٢] فقيل فيه: إنّه تعالى لما شبّههم بالبهائم في عديم العقل، زاد في تبكيتهم، فقال: «صُمٌّ بُكْمٌ عُمْيٌ» لأنّهم صاروا بمنزلة الأصمّ في أنّ الذين سمعوه كأن لم يسمعوه، وبمنزلة البُكْم في أن لا يستجيبوا لما دُعوا إليه، وبمنزلة العُمْي من حيث إنّهم أعرضوا عن الدلائل، فصاروا كأنّهم
[١]. البقرة( ٢): ١٧١.
[٢]. البقرة( ٢): ١٧١.