الحاشية علی اصول الكافي (العاملي) - العلوي العاملي، السيد أحمد - الصفحة ١٠١ - كتاب العقل والجهل
وهي أنّ اللَّه جعل في هذه السورة الآية في نوح وإبراهيم عليهما السلام بالنجاة حيث قال:
«فَأَنْجَيْناهُ وَ أَصْحابَ السَّفِينَةِ وَ جَعَلْناها آيَةً لِلْعالَمِينَ»[١] وقال: «فَأَنْجاهُ اللَّهُ مِنَ النَّارِ إِنَّ فِي ذلِكَ لَآياتٍ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ»[٢] وجعل هاهنا الهلاك آيةً، والنكتة هي أنّ الآية في إبراهيم عليه السلام كانت نجاتَه من النار؛ لكون صيرورة النار برداً وسلاماً أمراً إلهيّاً عجيباً، ولم يكن في ذلك الوقت إهلاك لأحد، وأمّا في نوح عليه السلام فلأنّ الإنجاء من الطوفان- وهو ملاء الجبال بأسرها- أمر عجيب إلهيّ وما به النجاة- وهو السفينة- كان باقياً، والفرق لم يبق لمن بعده أثر، فجعل الباقي آية، وأمّا هاهنا فنجاة لوط عليه السلام لم يكن بأمر يبقى أثره للحسّ، والهلاك أثره محسوس في البلاد، وهناك السفينة.
وهاهنا لطائف اخرى:
إحداها: وهي أنّ قدرة اللَّه تعالى موجودة في الإنجاء والإهلاك، فذكر من كلّ باب آيةً، وقدّم الإنجاء؛ لأنّها أثر الرحمة على ما هو دأبه من تقديم الرحمة على الغضب.
وثانيتها: قال: «السَّفِينَةِ وَ جَعَلْناها آيَةً»[٣] ولم يقل بيّنة؛ لأنّ الإنجاء بالسفينة ربّما يقع في وهم جاهل أنّها لا تفتقر إلى شيء آخر إلهيّ، وأمّا الآية هاهنا- وهي الخسف وجعل ديار معمورة عاليها سافلها- فهو ليس بمعتادٍ، فلا يدفعه من الاعتراف بأنّه من أمر اللَّه.
وثالثتها: أنّه قال هناك: «لِلْعالَمِينَ»[٤] وقال هاهنا: «لِقَوْمٍ يَعْقِلُونَ»[٥]؛ لأنّ السفينة موجودة في جميع أقطار العالم، فعند كلّ قوم مثال لسفينة نوح يتذكّرون بها حاله، وإذا ركبوا فيها، يطلبون من اللَّه النجاة، ولا يثق أحد بمجرّد السفينة بل يكون دائماً مرتجفَ القلب، متضرّعاً إلى اللَّه طلباً للنجاة. وأمّا أثر الهلاك في هذه البلاد، ففي مواضع
[١]. العنكبوت( ٢٩): ١٥.
[٢]. العنكبوت( ٢٩): ٢٤.
[٣]. العنكبوت( ٢٩): ١٥.
[٤]. العنكبوت( ٢٩): ١٥.
[٥]. العنكبوت( ٢٩): ٣٥.