الحاشية علی اصول الكافي (العاملي) - العلوي العاملي، السيد أحمد - الصفحة ٣٨٠ - باب الجبر والقدر والأمر بين الأمرين
عليه واصطلاحاً نوع من الإقدار، وهو إقدار اللَّه تعالى العبد بحيث يخرج عن يده تعالى أزمّة المقدور ما دام الإقدار.
وللتفويض بهذا المعنى فردان هو القدر المشترك بينهما:
الأوّل: إقدار اللَّه تعالى العبد على فعل بحيث لا يكون في مقدوره تعالى ما يقرّب إلى الفعل أو الترك ما لو فعله بالعبد، لاختار غير ما اختاره من الفعل أو الترك، فيلزمه أن يصدر عن العبد ما يختاره وإن شاء اللَّه أن لا يصدر.
وهذا القول من المعتزلة ينافي ما عليه من وجوب اللطف عنه تعالى، ويلزم من ذلك أنّ العبد إن اختار العصيان كان غالباً عليه تعالى، والقول لهذا عصيان آخر فإنّه لو كان اللطف تحت مقدّرته مع وجوبه عليه وعندهم أنّ كلّ لطف ناجٍ يجب عليه فلم يتحقّق العصيان إلّالعدم قدرته على اللطف الناجع.
ويلزم من ذلك أيضاً أنّ العبد إن اختار الطاعة كان مطيعاً بإكراه بمعنى أنّه بحيث إن شاء اللَّه تعالى- على فرض المحال- ترك الطاعة لم يقدر على صرفه عن اختياره الطاعة إلى اختياره تركها؛ لعدم الفرق بين الإقدار على الطاعة والإقدار على المعصية، لعلّ المراد من هذه الآية «إِنَّ الْمُجْرِمِينَ فِي ضَلالٍ وَ سُعُرٍ»[١] إلى «إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ»[٢] يشمل هؤلاء المفوّضة أيضاً كما يشمل الأشاعرة. وقس عليه انّه «يَوْمَ يُسْحَبُونَ فِي النَّارِ عَلى وُجُوهِهِمْ ذُوقُوا مَسَّ سَقَرَ* إِنَّا كُلَّ شَيْءٍ خَلَقْناهُ بِقَدَرٍ»[٣].
الثاني: إقدار اللَّه تعالى العبد في وقت على فعل في ثاني الوقت، ولزم من ذلك استقلال العبد في القدرة من دون توقّف فعله على الإذن.
فإذا تمهّد هذا فنقول: إنّ المفوّضة على الأوّل أنكروا قسماً من قدرة اللَّه على التصرّف في فعلهم فأنكروا قسماً من قدرة تدبيره وتقديره؛ لأنّه لا يتأتى التدبير
[١]. القمر( ٥٤): ٤٧.
[٢]. القمر( ٥٤): ٤٩.
[٣]. القمر( ٥٤): ٤٨- ٤٩.