الحاشية علی اصول الكافي (العاملي) - العلوي العاملي، السيد أحمد - الصفحة ١٤٣ - كتاب العقل والجهل
فقد علم من ذلك أنّ العقل مبنى كلّ سعادة وسلامة، وأصل كلّ نعمة وراحة كما نبَّه عليه بقوله عليه السلام: «يا هشام! من أراد الغناء بلا مال».
قال عليه السلام: يا هشام! من أراد الغناء.
أقول: توضيحه على نظمه هو أنّ من كمل عقله وقوي سرّه، كان شغله باللَّه وانسه مع اللَّه ونعيمه بما يرد عليه من اللذّات العقليّة المُبهجة، والجذبات الحقّة الإلهيّة، فيقنع من الدنيا بأدنى شيء نعيم بدنه، ومن نقص عقله وأفلس باطنه وروعه عن العلم والمعرفة، طلب الغنى والنعمة من الحظوظ الفانية المادّيّة، ولم يعلم أنّ الدنيا وزينتها إلى فناء، وصورها كسراب بقيعة يحسبه الظمآن ماءً، فالعاقل يقنع منها بالكفاية، ويستغني بالحقّ من الخلق، والجاهل لا يقنع بالكفاية إذا سدّت عليه الطرق إلّا إلى الدنيا؛ لاحتجابه بها عن الحقّ، وبالهوى عن الهدى، فيريد أن يدرك الغناء بالدنيا ولم يدركه أبداً.
فقد ظهر سرّ ما أمر به عليه السلام الدعاء والتضرّع إليه تعالى في طلب تكميل العقل لمن أراد الغناء بلا مال.
قال عليه السلام: حين علموا أنّ القلوب تزيغ. [ص ١٨ ح ١٢]
أقول: لا شبهة في أنّ أصل السعادة الحقيقيّة للعبد أن يكون عقله مستفاداً من اللَّه، وفي أنّ الظاهر عنوان الباطن، والأعمالَ حكاية الأحوال.
ثمّ اعلم أنّ المؤمن إذا لم يكن قلبه منوّراً بنور اللَّه سبحانه، وعقله مهتدياً بهداه، لا يكون آمناً من الزيغ والضلالة، والعمى عن الحقّ بعد الإجابة، والارتدادِ بعد قبول الدعوة، والتردّي إلى المهوى الأسفل عقيب الطاعة كما في قوله تعالى: «وَ لكِنَّهُ أَخْلَدَ إِلَى الْأَرْضِ وَ اتَّبَعَ هَواهُ»[١]، وكقوله: «ذلِكَ بِأَنَّهُمْ آمَنُوا ثُمَّ كَفَرُوا فَطُبِعَ عَلى قُلُوبِهِمْ»[٢]، وقوله: «وَ مَنْ يَرْتَدِدْ مِنْكُمْ عَنْ دِينِهِ فَيَمُتْ وَ هُوَ كافِرٌ»[٣].
[١]. الأعراف( ٧): ١٧٦.
[٢]. المنافقون( ٦٣): ٣.
[٣]. البقرة( ٢): ٢١٧.