الحاشية علی اصول الكافي (العاملي) - العلوي العاملي، السيد أحمد - الصفحة ١٤١ - كتاب العقل والجهل
الباقي على الذهب الفاني»[١]. كيف والأمر على العكس من ذلك؟!
قال عليه السلام: تركوا فضول الدنيا. [ص ١٨ ح ١٢]
أقول: اعلم أنّ امور الدنيا وشهواتها منقسمة إلى أقسام ثلاثة:
منها: ما لا يمكن التعيّش والبقاء بدونها، وكأنّها ليست من الدنيا؛ لأنّ العبد مكلّف بإتيانها وأنّها من الواجبات، وهي لذّات لا تمنع عن النجاة من النار وعذاب الآخرة، ولا عن أصل النعيم الاخروي، ولكن يمنع عن مزيد الكرامة وفضل النعمة وكمال القرب منه تعالى، وهي المباحات الشرعيّة من اللذّات الحسّيّة.
ومنها: ما تؤثّر لذّتها في النفس بحيث تؤثّر في النفس لذّتها تأثيرَ الغشاوة والحجاب، والعقاب يوم الحساب، على اختلاف مراتبها وتفاوتها في شدّة اللذّة وضعفها وكبرها وصغرها، وتفاوتها في استغراق النفس فيها، فهذه هي المحرّمات الشرعيّة كبائرها وصغائرها، وكلّها دون الكفر الذي هو الأعظم والوبال الأفخم «إِنَّ اللَّهَ لا يَغْفِرُ أَنْ يُشْرَكَ بِهِ وَ يَغْفِرُ ما دُونَ ذلِكَ لِمَنْ يَشاءُ»[٢].
فإذا تقرّر هذا، فنقول: إنّ العاقل هو الذي ترك فضول الدنيا وإن كانت مباحةً؛ لأنّها تمنع غاية التقدّس وكمال التقرّب، فكيف بالذنوب التي هي ارتكاب المحرّمات المُورِثة لاستخفاف العقوبة والبُعْد عن المثوبة إلّاأن يتفضّل اللَّه بالمغفرة والرضوان والتجاوز عنها بالجود والإحسان. فقد بان أنّ ترك الدنيا رأساً من طلب الفضل والكمال، وأنّ ترك المعاصي والمحرّمات من باب الغرض الذي تطلب به النجاةَ عن العذاب، والعتق من النار.
فالأوّل يختصّ بالأحرار ليصيروا من الأخيار، والثاني مشترك بين عامّة الناس ليصيروا عتقاء من النار غير مقيّدين بالسلاسل والأغلال، إنّه وليّ الفضل والطَوْل في المبدأ والمآل.
[١]. محاسبة النفس للكفعمي، ص ١٥٧؛ جامع السعادات، ج ٢، ص ٢٦؛ تفسير القرطبي، ج ٢٠، ص ٢٤.
[٢]. النساء( ٤): ٤٨ و ١١٦.