الحاشية علی اصول الكافي (العاملي) - العلوي العاملي، السيد أحمد - الصفحة ١٣٩ - كتاب العقل والجهل
فإذا تمهّد هذا، فنقول: إنّ قوله عليه السلام: «فمن عقل عن اللَّه، اعتزل أهل الدنيا» محمول على أنّ عقل الإنسان إذا بلغ إلى حدّ يأخذ العلم من اللَّه تعالى بغير تعليم بشري إمّا بحسب الفطرة الأصليّة كما للأنبياء عليهم السلام، أو بعد مجاهدات قدسيّة، وإشراقات عقليّة، ورياضات علميّة وعمليّة، فقد اعتزل أهل الدنيا والراغبين فيها حيث لم يبق له رغبة فيها وأهلِها، ويرغب فيما عند اللَّه من الخيرات الحقيقيّة، والإشراقات الإلهيّة، والأنوار القدسيّة، والابتهاجات الذوقيّة، والفتوحات الإلهيّة.
وعند ذلك كان اللَّه تعالى انسه في الوحشة، إذ موجب الوحشة في الوحدة فَقْدُ المألوفات الوجوديّة، وخلوّ الذات عن الفضيلة والخير، وأنّه تعالى منبع كلّ خير، ومبدأ كلّ فيض، فإنّما يتشعّب وينشأ منه تعالى على الأشياء، من رجع إلى اللَّه تعالى يأخذ ويستفيض من رحمته كلَّ ما يريد، من كان للَّهكان اللَّه له، فيكونَ صاحبَه في الوحدة، فيصير وحده عينَ الجمعيّة وغناه في العيلة؛ لأنّ فقره ليس إلّا إليه، ومن كان فقره إليه لا غير، كان غناه به لا غير، وكان اللَّه معزّه من غير عشيرة؛ إذ العزّة بالعشيرة والنسب عزّة مجازيّة، والعزيز بالحقيقة من أعزّه اللَّه بعزّته التي لا مثل لها ولا نظير.
ولعلّ ما في هذا الكلام نوع إيماء إلى الخبر المشهور في قرب الفرائض وقرب النوافل، فتدبّر.
قال عليه السلام: نصب الحقّ. [ص ١٧ ح ١٢]
أقول: إمّا على البناء للمفعول أو للفاعل لكن بارتكاب حذف المفعول أينصب الحقّ الخلقَ.
قال عليه السلام: ولا نجاة إلّابالطاعة. [ص ١٧ ح ١٢]
أقول: لأنّ الإنسان في بدو غريزته وفطرته العنصريّة جوهر ظلماني من عالم الهيولى الظالم أهلُها، مخلوق من موادّ عالم الظلمات ووسخ الطبيعة، وإنّما يصير بالتصفية والتهذيب والتأديب إلى العالم الأعلى كما في قوله: «أَ يَطْمَعُ كُلُّ امْرِئٍ مِنْهُمْ أَنْ يُدْخَلَ جَنَّةَ نَعِيمٍ* كَلَّا إِنَّا خَلَقْناهُمْ مِمَّا يَعْلَمُونَ»[١].
[١]. المعارج( ٧٠): ٣٨- ٣٩.