التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٢٠٤ - ٣ - غيب المستقبل
وهكذا الآيات النازلة بشأن غزوة تبوك، من تثاقل من المسلمين ومن تقاعس منهم من ضعاف الإيمان. قال تعالى:
«يا أَيُّهَا الَّذِينَ آمَنُوا ما لَكُمْ إِذا قِيلَ لَكُمُ انْفِرُوا فِي سَبِيلِ اللَّهِ اثَّاقَلْتُمْ إِلَى الْأَرْضِ، أَ رَضِيتُمْ بِالْحَياةِ الدُّنْيا مِنَ الْآخِرَةِ. فَما مَتاعُ الْحَياةِ الدُّنْيا فِي الْآخِرَةِ إِلَّا قَلِيلٌ.
إن لا تَنْفِرُوا يُعَذِّبْكُمْ عَذاباً أَلِيماً وَ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ وَ لا تَضُرُّوهُ شَيْئاً. وَ اللَّهُ عَلى كُلِّ شَيْءٍ قَدِيرٌ».[١]
قال الطبرسي: لمّا رجع رسول اللّه صلى الله عليه و آله من الطائف أمر بالجهاد لغزوة تبوك. وكان قلّ ما خرج في غزوة إلّا كنّى عنها وورّى بغيرها، إلّا غزوة تبوك، لبعد شُقّتها وكثرة العدوّ، ليتأهّب الناس، فأخبرهم بالذي يريد. فلمّا ظهر من الناس تثاقلهم، أنزل اللّه ...[٢]
قوله تعالى: «وَ يَسْتَبْدِلْ قَوْماً غَيْرَكُمْ» .. قال سعيد بنجبير: هم أبناء فارس.
وقال تعالى: «إن لا تَنْصُرُوهُ فَقَدْ نَصَرَهُ اللَّهُ إِذْ أَخْرَجَهُ الَّذِينَ كَفَرُوا ثانِيَ اثْنَيْنِ إِذْ هُما فِي الْغارِ، إِذْ يَقُولُ لِصاحِبِهِ: لا تَحْزَنْ، إِنَّ اللَّهَ مَعَنا. فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها. وَ جَعَلَ كَلِمَةَ الَّذِينَ كَفَرُوا السُّفْلى وَ كَلِمَةُ اللَّهِ هِيَ الْعُلْيا. وَ اللَّهُ عَزِيزٌ حَكِيمٌ».[٣]
قوله تعالى- حكاية عن النبيّ صلى الله عليه و آله-: «إِنَّ اللَّهَ مَعَنا ...» .. ثقة باللّه قاطعة أنّه سيؤيّده بنصره، وقد تحقّق بالفعل: «فَأَنْزَلَ اللَّهُ سَكِينَتَهُ عَلَيْهِ وَ أَيَّدَهُ بِجُنُودٍ لَمْ تَرَوْها».
وقال تعالى: «لَوْ كانَ عَرَضاً قَرِيباً وَ سَفَراً قاصِداً لَاتَّبَعُوكَ، وَ لكِنْ بَعُدَتْ عَلَيْهِمُ الشُّقَّةُ، وَ سَيَحْلِفُونَ بِاللَّهِ لَوِ اسْتَطَعْنا لَخَرَجْنا مَعَكُمْ. يُهْلِكُونَ أَنْفُسَهُمْ. وَ اللَّهُ يَعْلَمُ إِنَّهُمْ لَكاذِبُونَ».[٤]
قوله: «سَيَحْلِفُونَ ...». قال الزمخشري: يعني المتخلّفين عند رجوعك من غزوة تبوك، معتذرين، يقولون: باللّه لو استطعنا لخرجنا معكم.
قال: والإخبار بما سوف يكون بعد القفول- من حلفهم واعتذارهم- وقد كان، هو من
[١] - التوبة ٣٨: ٩- ٣٩.
[٢] - مجمع البيان، ج ٥، ص ٣٠.
[٣] - التوبة ٤٠: ٩.
[٤] - التوبة ٤٣: ٩.