التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٩١ - ٢ - غيب الحاضر
فدعا رسولاللّه صلى الله عليه و آله عبداللّه بنصوريا- أحد علمائهم بخيبر وكان عالما بالتوراة- فقال له النبي صلى الله عليه و آله: إنّي انشدك باللّه، هل تجدون في كتابكم الرجم على من احصن؟ قال ابن صوريا: نعم، هكذا أنزل اللّه في التوراة، فقال له النبي صلى الله عليه و آله: فماذا كان أول ما ترخّصتم به أمر اللّه- أي تهادنتم به-؟ قال: كنّا إذا زنى الشريف تركناه وإذا زنى الوضيع أقمنا عليه الحدّ، فكثر الزنا في أشرافنا، فوضعنا الجلد والتحميم[١] وهو أن يجلد أربعين جلدة ثمّ يسوّد وجهه، ويطاف بالبلد راكبا على حمار وجهه على دبر الحمار، فجعلوا هذا مكان الرجم.
فقالت اليهود لابن صوريا: ما أسرع ما أخبرته به، وما كنت- لمّا أتينا عليك- بأهل، ولكنّك كنت غائبا فكرهنا أن نغتابك. فقال: إنّه أنشدني بالتوراة، ولولا ذلك لما أخبرته به، فأمر بهما النبي صلى الله عليه و آله فرجما عند باب المسجد، وقال: أنا أول من أحيا أمر اللّه إذ أماتوه، فأنزل اللّه في ذلك:
«يا أَهْلَ الْكِتابِ قَدْ جاءَكُمْ رَسُولُنا يُبَيِّنُ لَكُمْ كَثِيراً مِمَّا كُنْتُمْ تُخْفُونَ مِنَ الْكِتابِ وَ يَعْفُوا عَنْ كَثِيرٍ قَدْ جاءَكُمْ مِنَ اللَّهِ نُورٌ وَ كِتابٌ مُبِينٌ. يَهْدِي بِهِ اللَّهُ مَنِ اتَّبَعَ رِضْوانَهُ سُبُلَ السَّلامِ وَ يُخْرِجُهُمْ مِنَ الظُّلُماتِ إِلَى النُّورِ بِإِذْنِهِ وَ يَهْدِيهِمْ إِلى صِراطٍ مُسْتَقِيمٍ».[٢]
فقام ابنصوريا ووضع يديه على ركبتي رسولاللّه صلى الله عليه و آله ثمّ قال: هذا مقام العائذ باللّه وبك أن تذكر لنا الكثير الذي أُمرت أن تعفو عنه. فأعرض النبي صلى الله عليه و آله عن ذلك. ثمّ سأله ابن صوريا مسائل كثيرة، أوردها الطبرسي في تفسيره.[٣]
ومن هذا القبيل ما أخبر القرآن الكريم عن أساليبهم الملتوية في إدخال الوسواس والأحزان في قلوب المؤمنين.
قال الطبرسي- في تفسير قوله تعالى: «أَ لَمْ تَرَ إِلَى الَّذِينَ نُهُوا عَنِ النَّجْوى ثُمَّ يَعُودُونَ لِما نُهُوا عَنْهُ»-: نزلت في اليهود والمنافقين، كانوا يتناجون فيما بينهم دون المؤمنين،
[١] - قال ابن الأثير: في حديث الرجم« إنّه مرّ بيهودي محمّم مجلود» أي مسودّ الوجه، من الحُمَمة وهي الفحمة.
[٢] - المائدة ١٥: ٥- ١٦.
[٣] - مجمع البيان، ج ٣، ص ١٩٣- ١٩٤.