التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٨٧ - ١ - غيب الماضي
«نَتْلُوا عَلَيْكَ مِنْ نَبَإِ مُوسى وَ فِرْعَوْنَ بِالْحَقِّ لِقَوْمٍ يُؤْمِنُونَ».[١]
وبعد انتهاء القصّة وذكر تفاصيلها وما فيها من عبر وعظات يقول:
«وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الْغَرْبِيِّ إِذْ قَضَيْنا إِلى مُوسَى الْأَمْرَ وَ ما كُنْتَ مِنَ الشَّاهِدِينَ. وَ لكِنَّا أَنْشَأْنا قُرُوناً فَتَطاوَلَ عَلَيْهِمُ الْعُمُرُ وَ ما كُنْتَ ثاوِياً فِي أَهْلِ مَدْيَنَ تَتْلُوا عَلَيْهِمْ آياتِنا وَ لكِنَّا كُنَّا مُرْسِلِينَ. وَ ما كُنْتَ بِجانِبِ الطُّورِ إِذْ نادَيْنا وَ لكِنْ رَحْمَةً مِنْ رَبِّكَ لِتُنْذِرَ قَوْماً ما أَتاهُمْ مِنْ نَذِيرٍ مِنْ قَبْلِكَ لَعَلَّهُمْ يَتَذَكَّرُونَ».[٢]
*** إنّ ورود أخبار الامم الماضية والقرون الخالية بهذا التفصيل الدقيق في القرآن الكريم لدليل على كونه وحيا من عند اللّه علّام الغيوب، وليس من عند البشر ذي العلم القصير، ولاسيّما من مثل محمّد صلى الله عليه و آله الذي نشأ في بيئةٍ لاتمكّنه الاطّلاع على مثل هذه الامور على دقائقها وظرائفها، ممّا لاسبيل إلى العلم بها سوى التلقّي عن منبع أصيل ركين، إذ لم يكن في تلك البيئة من يعرف هذه الأنباء على هذا الوجه الدقيق النزيه.
«وَ ما كُنْتَ تَتْلُوا مِنْ قَبْلِهِ مِنْ كِتابٍ وَ لا تَخُطُّهُ بِيَمِينِكَ إِذاً لَارْتابَ الْمُبْطِلُونَ».[٣]
*** وما تهمة قريش بأنّها «أَساطِيرُ الْأَوَّلِينَ اكْتَتَبَها فَهِيَ تُمْلى عَلَيْهِ بُكْرَةً وَ أَصِيلًا»[٤] إلّا هراءً عارما، وافتراءً مفضوحا، جاءت على خلاف ما استيقنتها نفوسهم من امّيّة الرسول صلى الله عليه و آله وعدم إمكان اتّصاله بذوي الثقافات الراقية في ذلك العهد، حيث إحاطتهم بأحواله في سفره وحضره ومدى علاقاته بسائر الناس.
إنّهم كانوا يحيطون علما بأحوال الرسول صلى الله عليه و آله قبل البعثة، من عدم اتّصال بأحد من أهل الكتاب، ولم تكن له أسفار علمية للبحث والتنقيب عن آثار الامم. لكنّهم مع ذلك قالوا- كذبا وزورا-: لابدّ أنّه يتعلّمها من أحد فهو يمليها عليه. لكن مَن الذي اوتي علم
[١] - القصص ٣: ٢٨.
[٢] - القصص ٤٤: ٢٨- ٤٦.
[٣] - العنكبوت ٤٨: ٢٩.
[٤] - الفرقان ٥: ٢٥.