التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ١٠٧ - تفسير آخر لدور العلقة
«وَيَعلَمُ ما في الأرحام»!
هنا سؤال قد يختلج ببال البعض: هل كان العلم بحمل الانثى ونوعيّته ذكورا وإناثا، خاصّا به تعالى، ولا سيّما بعد تواجد الأجهزة الحديثة لمعرفة ذلك بسهولة؟
لكن السؤال إنّما يتوجّه إلى مَنْ فسّر الآية بصورة جزئيّة وأنّ الانثى الكذائيّة هل حملت أم لا، وما هو حملها: انثى أم ذكر؟ الأمر الذي يمكن معرفته بالأجهزة الحديثة!
غير أنّ الآية لاتعني ذلك! وهي واردة بشأن علمه تعالى الأزلي المحيط بما تحمل كلّ انثى من إنسان أو حيوان، البرّي منه والبحري، من دبّابات وزواحف وحشرات وكذا الطيور والوحوش على الإطلاق، بل ولعلّه يشمل أصناف النبات والأصداف والمرجان وكلّ موجودٍ في التكوين وكان يتوالد عن طريق تزاوج الذكر مع الانثى.
فاللّه تبارك وتعالى يعلم ذلك كلّه أزلًا لكلّ زمان وبصورة شاملة لكلّ الأناثي في عالم الوجود، الأمر الذي يختصّ العلم به والإحاطة به بمن يعلم غيب السماوات والأرض لا أحد سواه.
قال تعالى: «اللَّهُ يَعْلَمُ ما تَحْمِلُ كُلُّ أُنْثى وَ ما تَغِيضُ الْأَرْحامُ وَ ما تَزْدادُ، وَ كُلُّ شَيْءٍ عِنْدَهُ بِمِقْدارٍ، عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ».[١]
إنّه تعالى يعلم علما سابقا أزلًا: ماذا تحمل كلّ انثى- عددا وجنسا ووصفا- ويعلم أيضا ماذا تغيضه الأرحام أي تفسده كما يغيض الوادي بالماء إذا ابتلعه، فيجعله ينقص.[٢] كما يعلم مايزداد وينمو ويكثر. وكلّ شيء- كلّ موجود على الإطلاق- عنده بمقدار، هو عند اللّه منضبط في نظام يلائمه، خاضع لتقديره تعالى وتدبيره الحكيم.
ومن ثمّ عقّبه بقوله: «عالِمُ الْغَيْبِ وَ الشَّهادَةِ الْكَبِيرُ الْمُتَعالِ» أي المستور والمشهود عنده سواء، حيث إحاطة علمه الأزلي القديم.
والآيات من هذا القبيل كثيرة تؤكّد على إحاطة علمه تعالى الشاملة، كما في قوله تعالى: «وَ عِنْدَهُ مَفاتِحُ الْغَيْبِ لا يَعْلَمُها إِلَّا هُوَ وَ يَعْلَمُ ما فِي الْبَرِّ وَ الْبَحْرِ، وَ ما تَسْقُطُ مِنْ وَرَقَةٍ
[١] - الرعد ٨: ١٣- ٩.
[٢] - غاض الماء: غار، نضب.