التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٦٢ - أصل الإنسان
إلى الحصان الجليل الحالي الذي يجري على ما نسمّيه حافراً تطوّر من إصبع قدتطلب ملايين السنين. فإذا اتّخذنا من ذلك مَعلماً للطريق فلنقدّر إذاً الزمن الذي تطلّبه الإنسان حتى تطوّرت يداه وعيناه وذهنه، وبذا صار حيواناً طفيفاً ورفعه ذلك إلى كيانه الحالي.
والآن نعود فنقتبس التقلّبات التي مرّ بها هذا المخلوق الصغير الأعزل من وسائل الدفاع، وإن يكن حقّاً سريع الحركة فإنّه معرّض للخطر من كلّ مخلوق يأكل اللحم، ومن كلّ زاحف سامّ، ومن كلّ جسم يحدث المرض. وكان عليه أن يعني بصغاره زمناً طويلًا من عجزهم، فإنّ أطفال الإنسان تولد عديمة الحول والحيلة، وهي تأتي تباعاً وبذا قديصبح عدّة أطفال عاجزين، في حاجة إلى الغذاء والوقاية في وقت واحد. وهذا يضاعف عجيبة بقاء الإنسان في خلال الدهور! فقد عاش خلال تغيّرات كالعصر الثلجي وفي كلّ طور آخر من أطوار الحياة المحرومة الوقاية. وهذا ينطبق طبعاً على جميع الحيوانات الاخرى. وإنّه لمن معجزات العناية الإلهيّة أن استطاعت هذه المخلوقات أن تثبت أمام تلك الظروف. ومن جهة أُخرى فإنّ أنواعاً لاعدد لها كانت قد ولدت ثمّ انقطعت عن الوجود. وليست عظام «الديناصورات»[١] إلّا دليلًا واحداً يثبت به علماء الجيولوجيا (علم طبقات الأرض) أنّه وجدت في الماضي حيوانات غريبة قدّر لها الفشل فعفا عليها النسيان. وكان ذلك أيضاً مثال ملايين من الحشرات والأسماك والطيور وأنواع اخرى عديدة من مخلوقات شتّى. ولعلّ «الحَمام المسافر»[٢] كان في وقتٍ مّا أكثر عدداً من البشر، ولكن آخر واحدة منه ماتت في عهدنا، وانقرضت سلالته الفاخرة كما انقرض «البطريق» العظيم و «الدودو».[٣]
وتجد علماء الآثار في إظهارهم لتطوّر الإنسان، يتّخذون من سعة المخّ في جمجمته مفتاحاً لتقدّمه. وقدحلّت أجناس ولاتزال تحلّ محلّ اخرى، ويبدو أنّ الجنس الأبيض
[١] - الديناصورات جمع ديناصور، وهو الحيوان الهائل الذي وجد مدفوناً تحت أطباق الثلوج وانقرض من الحياة منذ زمن طويل.
[٢] - نوع من الحمام كان موطنه أمريكا الشمالية، وكان ذا رأس صغير ومنقار قصير وذيل طويل وجناحين طويلين مدبّبين.
[٣] - الدودو طائر منقرض من فصيلة الحَمام.