التمهيد في علوم القرآن - ط مؤسسه فرهنگى انتشاراتى التمهيد - المعرفت، الشيخ محمد هادي - الصفحة ٥٨ - كيف بدأت الحياة؟
اختلافاً بيّناً عن الجزئية المادّية العاطلة من الحياة.[١]
ولكن في الاستطاعة أن نشير إلى شيء حدث منذ زمن بعيد، عند بدء الحياة على الأرض، وكان له شأنٌ عظيم، ذلك أنّ خليّة واحدة قد نمت عندها القدرة المدهشة على استخدام ضوء الشمس في حلّ مركّب كيموي، واصطناع غذاء لها ولأخواتها من الخلايا.
ولا بدّ أنّ لدّات اخريات لخليّة أصيلة اخرى قد عاشت على الغذاء الذي أنتجته الخليّة الاولى، وأصبحت حيواناً، في حين صارت الخليّة الاولى نباتاً، والنباتات التي هي نسل هذه الخليّة هي التي تغذّي جميع الكائنات الحيَّة الآن. فهل يمكننا أن نعتقد أنّ كون خلية قد أصبحت حيواناً واخرى قد أصبحت نباتاً إنّما حدث بطريق المصادفة؟ إنَّ التوازن العجيب بين الزرع وحياة الحيوان إنّما استقرّ بهذا القسيم. وإذا عدنا إلى قصّة ثاني اوكسيد الكربون وجدنا أنّ هذا التقسيم هو أساسيّ إطلاقاً بوصفه إحدى ضروريات الحياة نفسها.
ولو كانت الحياة كلّها حيوانية لكانت الآن قداستنفدت الاوكسيجين. ولو كانت الحياة كلّها نباتية لكانت قداستهلكت كلّ ثاني اوكسيد الكربون. وفي كلتا الحالتين كانت تنتهي هذه الحياة وتلك.
وكما ذكرنا من قبل، من المفروض أنّه في التاريخ الباكر جدّاً للكرة الأرضية لم يكن بالهواء اوكسيجين مطلق، إذ كان كلّ الاوكسيجين مخزوناً في قشرة الأرض وفي الماء وثاني اوكسيد الكربون. فإذا كان الأمر كذلك فإنّ كلّ الاوكسيجين الذي لدينا الآن قدجاء من الزرع. وقد ثبت ذلك بشكل مقبول، لأنّ النباتات تستعمل ثاني اوكسيد الكربون، وتطلق الاوكسيجين. ولكن إذا كان هذا كلّه صحيحاً فإنّ الحيوانات التي لاغنى لها عن الاوكسيجين لكي تعيش لابدّ قد جاءت إلى الوجود بعد زمن طويل من تطوّر النباتات في البحر والأرض، فهل كان ظهور الحياة على دفعتين؟ سنترك ذلك للمستقبل ليقرّره.
[١] - قال اللّه تعالى في كتابه الكريم:« وَ لَقَدْ خَلَقْنَا الْإِنْسانَ مِنْ سُلالَةٍ مِنْ طِينٍ. ثُمَّ جَعَلْناهُ نُطْفَةً فِي قَرارٍ مَكِينٍ. ثُمَّ خَلَقْنَا النُّطْفَةَ عَلَقَةً فَخَلَقْنَا الْعَلَقَةَ مُضْغَةً فَخَلَقْنَا الْمُضْغَةَ عِظاماً فَكَسَوْنَا الْعِظامَ لَحْماً ثُمَّ أَنْشَأْناهُ خَلْقاً آخَرَ فَتَبارَكَ اللَّهُ أَحْسَنُ الْخالِقِينَ». المؤمنون ١٢: ٢٣- ١٤.